العلماء والدعاة    الشيخ
التصنيف العام الواقع المعاصر
مع الإيمان يأتي الأمان

مع الإيمان يأتي الأمان

كتبه : محمد الشيخ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد

فإن أَمْنَ الناسِ في أوطانهم وأمانهم في معيشتهم من أجلِّ وأعظمِ النعم التي منَّ الله تعالى بها على عباده ، ومن أجلِ ذلك كان أول دعاء دعاه نبي الله إبراهيم  ـ عليه السلام ـ بعد أن عهد الله تعالى إليه عمارة المسجد الحرام وتطهيره للعابدين فيه . كان دعاءه  ـ عليه السلام ـ {رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} (البقرة/126)

وقد استجاب الله تعالى لدعائه  ـ عليه السلام ـ فجعله حرماً آمناً لا يُسفك فيه دمُ إنسان ولا يُظلم فيه أحدٌ ولا يُصاد صيده ولا يختلى خلاه .

ولقد امتن الله تعالى على قريش بهذه النعمة العظيمة حيث قال سبحانه :

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} (العنكبوت/67)

وقال لهم سبحانه :{ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (القصص/57)

قال لهم ذلك عندما قالوا :{ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} (القصص/57)

وهذا ما يظنه بعض الناس أنه إذا آمن بالله تعالى واتبع رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأظهر ذلك بين الناس ، يظن أنه سيُقتل أو يُأسر أو يُنتهب ماله أو يضيع عياله ، فبين لهم سبحانه أن الأمر على خلاف ما يظنون .

وضرب لهم مثلا سبحانه في هذه السورة القصيرة التي هي سورة قريش :

{لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ{1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ{2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ{3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ{4} } .

لقد ألفتم يا معشر قريش السفر إلى الشام في الصيف وإلى اليمن في الشتاء . لماذا ألفتم ذلك ؟

= ما ألفتوه إلا لأن الله تعالى أسبغ عليكم نعمة الأمن والأمان لأنكم سكنتم بجوار حرم الله . فلماذا لا تعبدون الله تعالى ؟! ولماذا تحاربون من يعبد الله تعالى ويأمركم بعبادة وحده لا شريك له سبحانه ؟!

= إنها دعوة للعباد كي يعبدوا رب العباد لينعموا بالأمن في البلاد ويسود الرخاء بين العباد .

= ولكن العبيد عندما يكذبوا رسل ربهم ويعرضوا عن دينه سبحانه الذي هو دين الإسلام الذي لن يُقبلَ من أحدٍ ديناً سواه  {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } (آل عمران/85)

فإنهم بذلك يعرِّضون أنفسهم لعقابِ الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة .

قال تعالى : {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} (النحل/112،113)

= يقول المفسرون : وضرب الله مثلاً بلدة "مكة" كانت في أمان من الاعتداء, واطمئنان مِن ضيق العيش, يأتيها رزقها هنيئًا سهلا من كل جهة, فجحد أهلُها نِعَمَ الله عليهم, وأشركوا به, ولم يشكروا له, فعاقبهم الله بالجوع, والخوف وذلك بسبب كفرهم وصنيعهم الباطل. (التفسير الميسر/280)

= كَما امْتنَّ الكبيرُ المتعالْ من قبلُ على أهلِ سبأٍ بالرِّزقِ الحلالِ، والأمنِ في اللَّيالي والأيامِ ، فقالَ سبحانه في معرض الامْتِنانِ برغد العيش : { لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وشِمَالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ، ورَبٌّ غَفُورٌ } (سبأ/15)

= وقالَ سبحانه في معرض الامتنان بالأمن والأمانِ: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القُرَى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرَىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وأيَّاماً آمِنِينَ} (سبأ/18).

= فلما أعرضوا عن دين الله تعالى ماذا كان جزاؤهم وماذا كان عقابهم يقول الكبير المتعال :{ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ . ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} (سبأ/16،17)

= وإذا بدل الله تعالى حال قريش وسبأ من الأمن والأمان إلى الخوف وعدم الاطمئنان، لأنهم أعرضوا وخالفوا وبدلوا بأن عبدوا غيره وأشركوا به سبحانه ، فإذا به سبحانه يبدل حال الطائفة المؤمنة من القلة إلى الكثرة ومن الخوف إلى الأمن و من الضعف إلى القوة .

قال سبحانه :{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور/55)

وهو سبحانه يذكِّر الفئة المؤمنة الذين آمنوا به سبحانه رغم التضييق عليهم ورغم الحرب المستمرة عليهم من قتل وسبيٍ وتشريد وإخراج من الأوطان بغير ذنب إلا أنهم قالوا ربنا الله . يُذكِّرهم بما أنعم عليهم به من أمن وأمان ، وكثرة في الأعوان ، وتمكين في الأوطان ، بفضل ربهم الرحمن ، سبحانه وتعالى من إلهٍ منان .

قال سبحانه :{وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (الأنفال/26)

هذه هي نعمة الأمن والأمان ، وتلك نقمة البعد عن شرع ربنا الرحمن .

= وإن قلب كل مسلم غيور بل قلب كل إنسان عاقل ليتفطر ألماً ، ويتقطع حسرات عندما يجد الناس يتخبطون في ظلمات الفزع والخوف والقلق والفوضى والاضراب ويتساءل { فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ } (غافر/11)

= نقول نعم هناك سبيل وأي سبيل . إنه سبيل الإسلام والمسلمين ، سبيل دين رب العالمين .

= يقول سبحانه وتعالى : {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً } (النساء/115)

= ويقول سبحانه وتعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } (البقرة/208)

فواجب على الناس كل الناس أن يعودوا إلى الله تعالى بأن يعبدوه سبحانه وتعالى وحده ويتبعوا رسوله (صلى الله عليه وسلم)

= يقول سبحانه : {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ } (المائدة/66)

فلو أن أهل الكتاب الذين هم أهل التوراة (وهم اليهود) وأهل الإنجيل (وهم النصارى) أقاموا أحكام التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم وهو القرآن لعاشوا في أمن وأمان ورغد من العيش ، وعلى كل حال منهم فريقًا معتدلا ثابتًا على الحق, وكثير منهم ساء عملُه, وضل عن سواء السبيل.

= و يقول سبحانه : {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } (آل عمران/64)

فلو حدث ذلك بأن أصبح الجميع على كلمة سواء وهي كلمة التوحيد ، كلمة "لا إله إلا الله" التي بها تتوحد القلوب وبالتالي تتوحد الشعوب ، لعاش الناس في أمن وأمان ، في ظل عبادتهم جميعاً لربهم الرحيم الرحمن .

فمع الإيمان الكامل يأتي الأمن التام ، وينقص الأمان بقدر نقص الإيمان

فالذين صدَّقوا بالله تعالى وبرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعملوا بشرعه ولم يخلطوا إيمانهم بشرك, أولئك لهم الطمأنينة في الدنيا والسلامة في الآخرة , وهم الموفقون إلى طريق الحق بإذن الله.

يقول سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } (الأنعام/82)

هدى الله تعالى الجميع للحق ، وجمعنا على الصدق ، وألف بين القلوب على الإيمان .

لا يوجد بث مباشر الان
عقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيتعلم اركان الحج وزارة الحج السعوديةالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة