العلماء والدعاة    الشيخ
التصنيف العام متفرقات
التشيع .. مفهومه وظروف نشأته

التشيع .. مفهومه وظروف نشأته (1)

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق*

التشيع في اللغة معناه الموالاة والاتباع والمناصرة ، فقد جاء في القاموس المحيط : " شيعة الرجل : أتباعه وأنصاره " وفي لسان العرب : " الشِّيعةُ القوم الذين يَجْتَمِعون على الأَمر ، وكلُّ قوم اجتَمَعوا على أَمْر فهم شِيعةٌ ، وكلُّ قوم أَمرُهم واحد يَتْبَعُ بعضُهم رأْي بعض فهم شِيَعٌ .. والشِّيعةُ قوم يَرَوْنَ رأْيَ غيرهم ، وتَشايَعَ القومُ صاروا شِيَعاً ، وشيَّعَ الرجلُ إِذا ادَّعى دَعْوى الشِّيعةِ  ".

أما اصطلاحا فهو ـ كما قال العلماء ـ يعني محبة علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وتقديمه على الصحابة ، فمن قدمه على أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ فهو غال في تشيعه ؛ لأنهما أفضل رجلين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين ، ويطلق عليه حينئذ رافضي، فإن تجاوز ذلك إلى سبهما أو التجريح فيهما أطلق عليه مغاليا في الرفض .

ظروف نشأته :

عاش المسلمون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أمة واحدة لا يعلمون للفرقة طريقا ، كلهم للحق متبعون باستثناء طائفة المنافقين التي كانت موجودة منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها خنست ، وزادت من خفيتها بعد انتصارات المسلمين المدوية في بلاد فارس والروم ؛ حتى لم نعد نسمع لها صوتا في عهد الفاروق عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وإن بقيت حركتها في السر قائمة ـ حيث استغل أفرادها حسن ظن المسلمين وعدم وجود جهاز استخباري يتتبع أمثالهم ـ حتى تمكنوا من التخطيط لقتله ـ رضي الله عنه ـ  وتنفيذ جريمتهم البشعة ، فاغتالوه وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر ، واجتمع المسلمون بعده على عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ بطريقة انتخابية قلما ترقى إليها أمة من الأمم المعاصرة .

ووجد المنافقون بعد مقتل عمر ـ رضي الله عنه ـ أنهم لم يفعلوا شيئا مما كانوا يصبون إليه ، وأن الأمر لا يعدو قتل أمير ليخلفه آخر من صف القادة المسلمين الذي لا ينتهي ، وبدا العالم الإسلامي كأنه لم يخسر شيئا ، ولم يطرأ عليه أي هزة بعد استشهاده ، فبدءوا يسعون لنشر الأفكار الضالة بين المسلمين ؛ ليكونوا طبقة موالية لهم تهدف إلى زلزلة كيان المجتمع الإسلامي من الداخل ،  والعمل على خلق كيان معارض لسياسة الدولة الإسلامية من بين المسلمين أنفسهم .

وقد تولّى الإعداد والتخطيط لهذا الأمر رجل من يهود اليمن يسمى عبد الله بن سبأ ، حيث تظاهر أولا بالإسلام ، وبدأ يحدث بالمرويات الواهية في الكتب السابقة ( التوراة والإنجيل ) فقبل بعض المسلمين منه ذلك ، على اعتبار أن الإسلام لا يحجر فكرا ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلا تُكَذِّبُوهُمْ وَلا تُصَدِّقُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوا، وَإِنْ كَانَ بَاطِلا لَمْ تُصَدِّقُوا".

ثم لجأ إلى حيلة أخرى وهي الحديث عن فضل آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أمر لا يختلف فيه اثنان من المسلمين ؛ لكنه قرن ذلك بنشر الأفكار التي تغالي في شأنهم وترفعهم فوق مقام البشرية ،  ثم انتقل من تلك النقطة إلى تفضيل علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ على غيره من الصحابة ، ليقول للناس إنه أحق بالخلافة من غيره ، وهو أولى بها من الخليفة القائم ( عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ  ) .

وأشاع بين الناس فكرة الوصاية لعلي ـ رضي الله عنه ـ   فقال : "  إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يّجز وصية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووثب على وصيه، وإن عثمان أخذها بغير حق ".

ثم أخذ ينسب إلى علي ـ رضي الله عنه ـ معجزات عجيبة غريبة، فأوقع في شباكه طبقة البسطاء والجهلة، فصدقوا الخرافات التي يروجها .

ثم قال لمن تبعه على رأيه من السفهاء : " فانهضوا في هذا الأمر وابدءوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس. "

وأخذ ينشر الأكاذيب عن ولاة الأقاليم الذين عينهم عثمان ـ رضي الله عنه ـ بأنهم لا يلتزمون العدل بين الرعية ، ويستأثرون بالأموال دونهم .

فقد جاء في تاريخ الطبري أنه ذهب إلى أبي ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ وقال : "يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول : المال مال الله ، ألا إن كان كل شيء لله ، كأنه يريد أن يحتجبه دون المسلمين ، ويمحو اسم المسلمين ، فأتاه أبو ذر ( أي معاوية ) فقال : ما يدعوك إلى أن تسمى مال المسلمين مال الله ، فقال معاوية ـ رضي الله عنه ـ : يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله ، والمال ماله ، والخلق خلقه ، والأمر أمره ؟! فقال أبو ذر : فلا تقله ، فقال معاوية : فإني لا أقول إنه ليس لله ، ولكن سأقول مال المسلمين ".

ثم بث أتباعه في سائر الأقطار الإسلامية ، وأوصى كل طائفة أن تكتب الرسائل الكاذبة إلى سكان الأقاليم الأخرى بأن الفساد والظلم قد عم في أقطارهم ، فصارت الرسائل تأتي على سبيل المثال من البصرة إلى مصر أو ومن الكوفة إلى المدينة أو من فارس إلى دمشق ، وصار كل من يسمع بتلك الأخبار وهو يرى بلده تنعم بالأمن والرخاء يقول : الحمد لله أنا لم نبتل بذلك ، وكل واحد يتخيل أن قطره هو البلد الوحيد الذي ينتشر فيه العدل .

يقول ابن الأثير : "وبث دعاته، وكاتب من استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما هو عليه رأيهم ، وصاروا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيب ولاتهم، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر ما يصنعون، حتى تناولوا بذلك المدينة ، وأوسعوا بذلك الأرض إذاعة، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء، إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس ".

وأكثر من ذلك أنهم زوروا الكتب على لسان كبار الصحابة ، ومن بينهم أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ فقد ذكر أنها قالت بعد استشهاده : "تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش ؟ فقال لها مسروق: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه، فقالت: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي هذا ، قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها ".

وأزعج هذا الأمر بالطبع أهل الحل والعقد من المسلمين فأتوا عثمان ـ رضي الله عنه ـ فقالوا: " يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ فقال: ما جاءني إلا السلامة ، وأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا علي ، قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم " وذلك ليتأكدوا من صحة تلك الأخبار.

وبعد انتهاء الاجتماع دعا عثمان محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام، وفرق رجالاً سواهم ؛ ليتقصوا له الأخبار ، فرجعوا جميعاً فقالوا: " ما أنكرنا شيئاً ( أي ما وجدنا منكرا ولا شيئا مما يشاع ) ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم ".

ثم بدأ ابن سبأ يلعب على وتر العصبية الذي هو أشد داء متفش بين العرب منذ القدم ، فحرض أبناء القبائل العربية على قريش ، وخاصة الأمراء من بني أمية ، وأشاع وأتباعه أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ  ما ولاهم إلا لقرابتهم ؛ مع إن أكثر من ولي الإمارة من بني أمية كانوا أمراء لأبي بكر الصديق والفاروق عمر ـ رضي الله عنهما ـ  من قبل ، وأنهم ما وصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا لأنهم كانوا يتمتعون بالمهارة الإدارية وحنكة القيادة .

وقد بلغ ذلك معاوية ـ رضي الله عنه ، فأرسل إلى من يرددون تلك الإشاعات قائلا : "بلغني أنكم نقمتم قريشا ، وإن قريشا لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم ، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة ، فلا تسدوا عن جنتكم ، وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور ، ويحتملون منكم المئونة ، والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم ثم لا يحمدكم على الصبر ، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم  ..

إني معيد عليكم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان معصوما فولاني ، وأدخلني في أمره ، ثم استخلف أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ فولاني ، ثم استخلف عمر فولاني ، ثم استخلف عثمان فولاني ، فلم أل لأحد منهم ولم يولني إلا وهو راض عني ، وإنما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعمال أهل الجزاء عن المسلمين والغناء ، ولم يطلب لها أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها ".

وهكذا ولأول مرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم رأينا المنافقين يعملون في العلن ، وينشرون أفكارهم على الملأ ، ولكن تحت ستار الإسلام ، وادعاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن دون أن يخلعوا على أنفسهم أي صفة غير صفة الإسلام ، ولم يتخذوا لأنفسهم أي لقب يلقبون به غير أنهم جماعة من المسلمين .

وقد ساعد هؤلاء المنافقين على التحرك بين الناس بأفكارهم  الخبيثة علانية ما كان عليه عثمان ـ رضي الله عنه ـ من لين شديد مع الرعية وإلزامه الأمراء بأن يلزموا الصفح عن الرعية ما دام الأمر لا يتعلق بحدود الله سبحانه وتعالى ، فغدا كل أمير يرى الإساءة من رعيته والتطاول عليه دون أن يجرأ على تأديبهم ؛ هيبة من عثمان ـ رضي الله عنه ـ وأكثر من ذلك صار عثمان كلما اشتكى أهل بلدة من أميرهم عزله ، وإن كان في الشكوى ادعاء على الأمير في غير محله .

وبعد أن انضم إلى ابن سبأ عدد كبير من الرعاع اتفق معهم على أن يلتقوا جميعا في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فخرجوا متظاهرين بأنهم يريدون الحج ، وهناك استغلوا خلو المدينة من أي حامية تدافع عنها لخروج الجيوش جميعا إلى ساحات الجهاد على حدود الدولة الإسلامية ، فأعلنوا عن نيتهم في قتل الخليفة عثمان ـ  رضي الله عنه ـ والتفوا حول بيته أياما محاصرين له ، ومنعوا وصول أي شيء إليه من طعام وشراب ، فاجتمع من وُجِد في المدينة من الصحابة وأبنائهم للتصدي لهم ، ولكن عثمان ـ رضي الله عنه ـ منعهم من ذلك ؛ خشية إسالة الدماء في مدينة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأنه رأى أن أعداد الصحابة الموجودين لا تتناسب مع كثرة الغوغاء الذين التفوا حول بيته ، واستسلم لهم ليقتلوه ، وآثر أن يقدم نفسه فداء لحقن الدماء في المدينة المنورة ، بعد أن أقسم على من حضر من الصحابة أن يكفوا أيديهم ، وينصرفوا إلى بيوتهم ، فقتلوه ونهبوا ما في داره ؛ حتى الملابس التي كانت على زوجته ؛ ثم أسرعوا إلى بيت مال المسلمين فكسروا بابه ونهبوا ما وجدوه فيه من أموال .

وبعد مقتله أسرعوا إلى علي ـ رضي الله عنه ـ وأجبروه على تولي الخلافة دون أن ينتظر أن يجتمع أهل الحل والعقد ليقرروا موافقتهم على تعيينه ، ويكتبوا إلى أمراء الأمصار الإسلامية يعلمونهم بذلك ، ويأخذون منهم البيعة له ..

فرفض علي ـ رضي الله عنه ـ طلبهم أولا ، وقال : هذا ليس لكم ، وإنما هو لأهل الحل والعقد من كبار الصحابة ، وقد جاء في كتاب " نهج البلاغة " وهو كتاب يعتقد كل الشيعة أنه منسوب لعلي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : " دعوني والتمسوا غيري فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلِّي أَسْمَعَكم وأَطْيَعَكم لمن وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزير خير لكم مني أميرا..." "

فأرغموه تحت التهديد على قبول البيعة منه ، وأحضروا من وجد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت تهديد السيف لمبايعته .

ونكمل في لقاء آخر إن شاء الله إن كان في العمر بقية ..

[email protected]

لا يوجد بث مباشر الان
سنة صيام شهر شعبان عقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيتعلم اركان الحج وزارة الحج السعوديةبلادي بلادي اسلمي وانعمي الاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة