العلماء والدعاة    الشيخ
التصنيف العام إداريات
منزلة العقوبات في المنهج الأمني الإسلامي

منزلة العقوبات في المنهج الأمني الإسلامي

كتبه/ محمد فريد فرج فراج

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، وَالصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِيْنَ - صلَّى الله عليه وسلَّم.

لا يَعرِف التاريخ الإنساني قانونًا للعقوبات أكثرَ حزمًا وحسمًا مِن قانون العقوبات في الإسلام، وقد سبَق أن تعرَّضْنا له آنفًا.

وما أردتُ بيانه هنا: أنَّ قانون العقوبات ليس هو الأسلوبَ الإسلامي الأوْحد للحِفاظ على أمْن المجتمع، فقانون العقوبات ليس إلا الحلقة الأخيرة مِن سلسلة تُكَوِّنُ جميعُ حلقاتِها المترابطةِ المنهجَ الأمنيَّ الإسلاميَّ.

وقد سبَق أن أوضحْنا أنَّ المنهج الأمني الإسلامي ينقسم قسمين:

(أمن الفرد/ أمن المجتمع)، وينقسم أمْن الفرد إلى خمسة أركان: (الدين/ النفس/ العِرْض/ العقل/ المال)، بينما أمْن المجتمع ينقسم إلى قسمين رئيسين: (دِيني/ جنائي).

والمنهج الأمني الإسلامي في جميع أقسامه (ما يخصُّ الفرْدَ منها أو المجتمع) يقوم على عددٍ مِن الأسس، أهمها:

1- ردْم المستنقعات لا قتْل الجراثيم، وذلك مِن خلال تهيئة المناخ الملائم للأمْن، والقضاء على بيئة الاضطراب والخوف، وسأضرب لك مثالاً على ذلك: إذا كانتْ لدينا مستنقعات قذِرة، هذه القَذارة مناخٌ ملائم لملايين الجراثيم.

فالدول الآن إذا أرادتِ القضاء على هذه الجراثيم تأتي بخُبراء يقومون بدِراسة هذه الجراثيم وإعداد نوْع مِن المبيدات لقتْل تلك الجراثيم.

 وهذه طريقة فاشلة؛ لأسباب، منها:

1- ما دامتِ القذارةُ موجودةً فلا بدَّ وأن تنشأ مجموعةٌ مِن الجراثيم الأخرى غير التي تقتُلها المبيدات.

2- ما دامت القذارة موجودةً فلا بدَّ وأن تتوالد الجراثيم، فكلَّما قُتل فوج جاء فوج آخَر.

3- بعدَ حين ستأخُذ هذه الجراثيم مناعةً ضدَّ هذه المبيدات، وتصبح معها غير ذات جدوى.

وهذا ما نَعيشه الآن، فكل إجراءات مكافَحة الجرائم غير مُجدية، وكأنَّ المقصود هو وجودهم الذي أصْبح أهمَّ مسوِّغات وجود المستبدِّين على سُدَّة الحُكم؛ ليخوفوا بهم الناس ممَّا يدفعهم إلى التمسُّك بالمستبدِّين ليحموهم منهم!!

ولكن المنهج الإسلامي يقوم على ردْمِ تلك المستنقعات بالتُّراب والقضاء عليها تمامًا، وما تُمثِّله من بيئة ملائمة مِن نموِّ الجراثيم.

إذ المشكلةُ على الحقيقة في المستنقع، وليس في الجراثيم التي تعيش بداخله، وردْم المستنقع بالتراب أرخصُ مِن قتْل الجراثيم بالمبيدات، وهو مع رُخْصه أنفعُ وأجدى بكثيرٍ، وأجدر أن يخلِّص الأمة من الأوبئة الفتَّاكة، والأمراض المعدية.

2- سد الذرائع، وهذا يكون بأمرين:

أولاً: قطْع سُبل الوقوع فيها.

ثانيًا: توفيرُ ما يُغني عنها.

وتحت كلِّ نقطة تفريعات يطول شرحُها، ونضرب المثل الآتي بإيجاز؛ لنبيِّن المسألة:

كيف يقوم المنهجُ الأمني في الإسلام بتأمين المجتمع مِن أخطر أنواع الجرائم على الإطلاق، وهي (الجرائم العقدية)؟

(الجرائم العقدية) هي التي يرتكبها أصحابُها بدافعِ اعتقادهم لعقائدَ فاسدةٍ تدعوهم إلى هذه البشاعة في الإجرام، ويجب أولاً الإشارة إلى عِلَّة بروز هذه الجرائم في المجتمع المسلم:

ترجع هذه الجرائم إلى عددٍ مِن العِلل الهامَّة، أهمها:

1- (النِّفاق) منافِقون حاقدون على المسلمين، ويُريدون إفسادَ الإسلام عن طريقِ إظهار الدُّخول فيه، ثم تخريبه مِن الداخل، كما كان حال السَّبَئِيَّة.

2- (الجهل) حيث ينصرِف الحكَّام إلى إشباع شهواتِهم الرخيصة، ونزواتهم الخسيسة، ممَّا يترتَّب عليه انتشارُ الأميَّة الدِّينيَّة، وهذه الأمية الدِّينيَّة بيئة خصْبة لانتشار العقائِد المنحرِفة، والمناهج الضالَّة.

ولا يَخفَى على أحدٍ ما آلتْ إليه الأمَّة من التفرُّق والتشرذُم والتمزُّق إلى شيع وأحزاب، كلُّ حزْب بما لديهم فرِحون.

ولا يَخْفى على أحدٍ وقوع بعضِ الجرائم باسمِ الإسلام في زَمننا هذا، والإسلام منها بَراء.

وليس لدَى الحكَّام المستبدِّين إلا البطشُ الأعمى بقبضتهم الفولاذيَّة!

هذه القبضة الفولاذية ليستْ مسلَّطة على المنحرفين عقديًّا؛ لا، بل على المتديِّنين مِن أهل السُّنة!

وتبريرهم لذلك أنَّ هذا التدين هو المصدرُ الرسمي لمِثل تلك الجرائم!

فالحقيقة أنهم لا يُريدون نموَّ الكيانات الإصلاحيَّة، والتي يعني نموُّها إبرازَ فساد استبداد الحكَّام الضارب بجذوره في بطونِ جميع الجوانبِ الحياتيَّة، ممَّا يهدِّد بقاءَهم في السلطة، والتي هي هدفُهم الوحيد في الحياة الذي لا هدفَ لهم سواه، فيبطشون بأهل السُّنَّة بطشةَ جبَّار أَشِر، وهم يظهرون صورَ جرائم المنحرفين عقديًّا، مكرًا خبيثًا، والله مِن ورائهم محيط.

ولكن كيف يقوم المنهج الأمني الإسلامي في القضاء على الانحرافات العقديَّة؟

يقوم المنهج الأمْني الإسلامي بالقضاء على الانحرافات العقديَّة مِن خلال عدَّة محاور تتلخَّص في مرحلتين:

أولاً: المرحلة الأولى قبلَ الفِتنة:

1- القيام بأعمالِ الدَّعوة والتعليم للأمَّة بما يَقيها شرَّ الاستدراج، إلى دعوات الضالِّين المضلِّين لها، وذلك مِن خلال الإعلام بكافَّة أجهزته، والتعليم بكلِّ مراحله، والدعوة بجميعِ سُبُلها، أعتقد أنَّها إذا تعاضدتْ كل هذه الجِهات في توجيه الأمَّة إلى ما يَنفعُها لا يمكن أبدًا أن تنزلِق في هوَّة الزيغ والضلال العَقدي.

وهذا ما كان عليه المسلمون في عهدِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - والخلفاء الراشِدين حيث كان تعليمُ الناس دِينَهم، والحفاظ عليه من التشويش، هو أهمَّ وأَوْلى واجباتِ الحاكم.

2- القضاء على أيِّ بذرة مِن شأنها أن تُحدِث بلبلةً عامَّة، أو فِتنة عارمة.

وما كان جمْعُ الشيخين للقرآن إلا محاولةً لوأدِ بذرة الفِتن في مهدها، وهو الدافِع نفسه الذي دعا الخليفةَ الثالث عثمان - رضي الله عنه - بإعادة نَسْخ مصحف حَفْصة - رضي الله عنها - وتوزيعه على جميعِ الأمصار، وحرْق جميع المصاحف.

وكما فعَل الخليفةُ عليٌّ - رضي الله عنه - عندما أمَر بوضع كتُب في النحو واللغة، فكلُّ هذه أعمال مِن شأنها أن تَقضي على بذور الخِلاف الدِّيني، والذي يُفضي إلى الشِّقاق العقدي، ممَّا يعمل على إثارة الفِتن الداخليَّة، والحروب الأهليَّة.

3- (دراسة مآلات الأمور)، قد تترتَّب بعضُ المفاسد الشرعيَّة شديدة الخُطورة على القيام ببعضِ الشُّعَب الإيمانيَّة، وهنا يجب على الحاكِم دراسةُ المسألة دراسةً شرعيَّةً يوازن بها بها بيْن أهمية القيام بالعمل، والأضرار المترتِّبة عليه؛ إذ لا يخفى على أحد تأسيسُ الشريعة الإسلاميَّة على أسِّ الرحمة.

ومِن مظاهر الرحمة في التشريع الإسلامي: أنَّه يوجِب على المرء أن يأكُل ويشرب ما حرَّمه عليه الإسلام كالخمْر والخنزير إذا كان الامتناعُ يُفضي إلى الموت.

ومِن هنا أخَذ الأصوليُّون القاعدة الأصوليَّة: (الضرورات تُبيح المحظورات)، كما توجد قواعدُ أصولية في المعنى نفْسه مِثل قاعدة: (اختيار أخفِّ الضَّرَرَين).

فمِن هذه القواعد، وأمثالها يقوم الحاكمُ ومستشاروه بدراسةِ المسألة وتقييمهما تقييمًا شرعيًّا، يَنبني عليه بعدَ ذلك القرارَ الذي يحفظ على الأمَّة بأمْر ربِّها نِعمةَ الأمن العام.

وعندنا في السُّنة ما يؤيِّد ذلك: فلم يقْتُل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ابنَ سلول، ورأس الخوارج.

فقد خرَج - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليقتلَ ابن سلول في حادثةِ الإفك، وقبل القتْل أراد أن يتعرَّف على عاقبة ذلك، وأثَره في المجتمع فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن يعذرني مِن رجل بلغَني أذاه في أهْلي؟ فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إلا خيرًا، وما كان يدخُل على أهلي إلاَّ معي))، فقام سعدُ بن معاذ فقال: يا رسولَ الله، أنا واللهِ أعذِرك منه، إنْ كان مِن الأوس ضربْنا عنقَه، وإنْ كان مِن إخواننا مِن الخزرج أمرتَنا ففعلنا فيه أمرَك، فقام سعدُ بنُ عبادة - وهو سيِّد الخزرج - وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا ولكن احتملتْه الحميةُ، فقال: كذبتَ لعمرُ الله لا تقتُله، ولا تقدِر على ذلك، فقام أُسيد بنُ الحضير فقال: كذبتَ لعمرُ الله واللهِ لنقتلنَّه، فإنَّك منافِق تجادِل عن المنافقين، فثار الحيَّانِ الأوس والخزرج، حتى همُّوا ورسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على المنبر، فنَزَل فخفَّضهم حتى سَكَتوا وسَكَت...))؛ (حم/خ/م).

فلمَّا رأى - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ قتْله قد يقسم الصفَّ المسلم، وقد يُثير الفتن، أغْلَق هذا الباب، حتى ولو كان إغلاقه يَقتضي عدمَ قتْل رجل مستحقٍّ للقتل.

وكما امتنع مِن قتل رأس الخوارج الذي قال للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: (اعدِلْ يا محمد، فإنك لم تعدل!).

فكل هذه أعمال احترازيَّة، وتصرُّفات وقائية يحفظ الله بها المجتمعَ المسلِمَ مِن الجرائم العقديَّة.

وما ذكرناه آنفًا يؤكِّد لنا على أهمِّ شرطين يجب توفرُّهما في الحاكم، وهما: (الخشية/ العِلم).

فيجب أن يكون عالمًا مجتهدًا؛ حتى يقدرَ على التصدي لهذه المعضلات.

كما يجب أن يكون تقيًّا؛ حتى لا يقوم بوضع النصوصِ في غير موضعها اتِّباعًا لهوى نفسه.

4- قوَّة وحزْم الراعي.

التقوى والورَع شرطٌ في الإمام، ولكنَّهما مع ذلك ليسا كلَّ مؤهلات الإمامة؛ إذ لا بدَّ أن ينضمَّ إليهما القوَّة والحزْم، وقد كان لِين جانب الخليفة الراشد عثمان - رضي الله عنه - وعدم الحسْم للأمور أحدَ أسباب الفِتنة التي دفعتِ المجرمين الخونةَ إلى الجرأة على الصحابي المشهودِ له بالجَنَّة.

كما كان حزمُ وحسْمُ الصِّدِّيق - رضي الله عنه - مِن أعظم أسباب تمكُّنه مِن القضاء على الفِتن العارمة التي استقبلتْ فترةَ ولايته.

5- قوَّة الدولة المسلِمة.

لا تفتقر أيُّ دولة مِن الدول إلى مجموعة مِن الخونة المتآمِرين عليها، والراغبين في سقوطها، ولو تطهَّرتْ دولة من هؤلاء الأرجاس لكانتْ أوْلى الدول دولةَ نبينا محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكنَّها مع ذلك لم تتطهَّرْ مِن أمثالهم كابن سلول، والخارجي الذي اتَّهم نبيَّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعدم العدْل.

ولكن قوَّة الدولة واستقرارها يعمل على خلْق بيئة غيرِ ملائِمة لنمو جراثيم الفساد والفِتن؛ ولذلك يجب أن يلتفَّ الصادقون مِن أبناء الأمة حولَ أميرها؛ لجعْلِ الدولة بالقوَّة التي يهاب المنافقون أن يَعملوا في ظلِّها؛ إذ يتربصون دائمًا بفترة الضعْف التي يستخدمونها كثغرٍ مناسب لبثِّ الفتن العارِمة بيْن إخوة الدِّين الحنيف، وأبناء العقيدة الواحِدة.

6- العدل.

لم يعرفِ التاريخ الإنساني كلُّه على طوله، ولم تشهدِ المعمورة جميعُها على رحابتها (سقوط دولة عادلة) كما لم تصمدْ دولة ظالمة وإنْ عاشت ردْحًا من الزمن.

والظلم مناخٌ يستغله الضالُّون في تجميعِ المظلومين حولَ عقيدة فاسِدة يوهمونهم مِن خلالها أنَّ فيها خلاصَهم من الظُّلم، وما النِّظام الاشتراكي منَّا ببعيد؛ فقدْ زعم كذبًا أنَّه قام لمصلحة العمَّال، ولينتزع الثروةَ مِن الأغنياء ويردَّها على الفقراء من العمَّال، وما إنْ سمع الفقراء بهذه الدعوةِ حتى التفُّوا حولها، فما هو أن تمكَّن الشيوعيُّون الاشتراكيُّون حتى جمعوا ثرواتِ البلاد جميعَها في بطونهم، وتركوا الأغنياء أشدَّ فقرًا مِن الفقراء، ولم يتنعَّمْ بالبلاد أحدٌ سواهم!

وعندَما اكتشف الناسُ الحقيقةَ متأخرًا دفَعوا حياةَ الملايين منهم ليستردُّوا حريتَهم مِن هؤلاء الشيوعيِّين الضالِّين.

والشيوعيَّة مع كونها أضلَّ العقائد البشريَّة، لكنَّها فازتْ بأغلبية البشَر في نشأتها ليس عن قناعةٍ بعقيدتها، ولكن انخداعًا بدعوتها إلى العدْل وتخليص الفقراء مِن الظلم، حتى كان منهم ما لم يُعرفْ عن غيرهم مِن الظُّلم والبطش والاستبداد بخيراتِ البلاد.

والانقلابات العسكريَّة التي عمَّتِ غالب البلاد العربية منذُ خمسين عامًا تقريبًا زعمتْ أنها قضَتْ على الملكية، والتي تستأثِر بالحُكم والمال، وأنشؤوا ما يعرف بالجمهوريَّات، والتي خدعوا الناسَ بها، وأفهموهم أنها ستُخرجهم مِن الذلِّ والفقر، ولما رأى هؤلاء الانقلابيُّون أنهم مغمورون، ومفتقرون لأيِّ إنجاز من شأنه أن يجمَع حولهم العامَّة! لم يكن أمامهم مِن ملجأٍ إلا الدعوة إلى حياة ورديَّة يستوي فيها الأميرُ بالغفير.

وبالفعل التفَّ الناس ليس حولَ الانقلابيِّين الذين لا يعرفون واحدًا منهم، ولكن حولَ الأهداف المزعومة التي أعْلنوها، والتي كان على رأسها القضاءُ على الملك والتوريث، والاستبداد والفساد.

وليس مصادفةً أبدًا أنه لم ينزلْ واحد من هؤلاء الانقلابيِّين عن مقعده مختارًا؛ فلا زوالَ إلا بالموت، أو الانقلاب عليه مرَّةً أخرى!

وليس مصادفة أبدًا أنهم جميعًا رسَّخوا مبدأ التوريث وأصبحوا أشدَّ ملكيةً مِن الملكية المعلَنة، وغدوا أعظمَ فسادًا مِن الفساد الملكي.

وعلى سبيلِ المثال لا الحصر:

العراق: قام المشنوق قبْل شنقه بتأهيلِ ولديه: (صدي/ عدي) لولاية العهد، ولكن الله فعَل فيهم ما لا يَجْهَله أحدٌ.

مصر: تعلمون الجرائمَ البشِعة التي ارتكبها الطاغيةُ المخلوع حتى يورثَ البلاد لابنه، كأنها عزبة وما عليها عبيد، ولكن الأحرار مِن الأمَّة رفضوا أن يورثوا كما يورث العقار والضَّيعات، وفضَّلوا أن يموتوا أحرارًا على أن يُورثوا كما تُورث الأنعام، وما زلْنا نرى آيات الله فيه تتْرَى، ولله الحمد وحْده لا شريكَ له.

اليمن: قام رئيسه بتأهيلِ ابنه لولاية العهد، ولكن القدَر الإلهي كان أسبق، وهو في طريقه - إنْ شاء الله تعالى - إلى صاحبيه التونسي والمصري.

ليبيا: تعلمون أنَّ سيف الشيطان كان مؤهلاً لخلافةِ والده، ولكن القَدَر الإلهي كان أسبق، وهو في طريقِه - إنْ شاء الله تعالى - ليلحق بصاحبيه التونسي والمصري، وينازع صاحبَه اليمني على المرتبة الثالِثة في دوري المخلوعين!

في سوريا حيث نجَح للأسف هناك منهج التوريث: كان باسل الابن الأكبر لحافظ وليًّا للعهد، ثم قُتِل في ظروفٍ غامضة.

ولما كان أخوه لم يبلغْ سِنَّ الترشُّح الذي ينصُّ على بلوغ الرئيس أربعين عامًا، في أقلَّ مِن طرفة عين تَمَّ تعديل دستور العجوة؛ ليكونَ سن الترشح خمسة وثلاثين عامًا، وهو سنُّ بشار حين تولِّيه للحُكم!!

أيّ عبَث واستخفاف بتلك العقول؟!

في البداية لم يكُن يصلُح لحُكم سوريا إلا باسل، الذي تشقّ الحناجر وهي تهتِف باسمه؛ إذ تُخرَّب سوريا إنْ حَكَمها غيرُه!

وعندما قُتِل باسل تمَّ تغيير السي دي، وتركيب برنامج آخَر جديد يهتِف باسم بشَّار!

هل هذه عقولٌ بشريَّة؟

لا والله، بل آلاتٌ صوتيَّة مبرمجة، يقوم الحكَّام بتغيير البرامج فيها كما شاؤوا!

فلا حولَ ولا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم.

المهم أنَّ ملوكَ الجمهوريات المستبدَّة كانوا أشدَّ مَلَكيةً مِن ملوك الممالك المعلَنة، وأكثر فسادًا وظلمًا منهم؛ وذلك أنَّ الملوك لم يكونوا محتاجين لمخادعةِ الأمَّة حتى تقبلَ مسألة التوريث، والذي يقوم عليه النظامُ المَلَكي، أمَّا الذين أعْلنوا الجمهوريةَ فكانت أمامَهم إشكاليةُ عظيمة، وهي:

لو كانوا موافقين على النِّظام المَلَكي فلمَ الثورةُ إذًًا؟!

وإذا كانتِ الثورة لإلغاء المَلكيَّة المستبدَّة وترسيخ الجمهوريَّة المتحرِّرة، التي تعطي الأمَّةَ حريتها، فكيف يتمُّ التوريث في ظلِّ الجمهورية؟!

وما الفرقُ إذًا بيْن المَلَكيَّة والجمهوريَّة؟!

هذه الإشكاليات جعلتْهم محتاجين إلى مجموعةٍ مِن السَّحَرة والمشعوذين والدجَّالين على قدْرٍ متميِّز، وفريد مِن النفاق يجعلهم قادرين على القيام بدور الحاوي، الذي يعرف كيف يُمرِّر هذه المتناقضاتِ على عقول يُفترض أنها بشريَّة.

وكان لزامًا أن يعْملوا على إفسادِ العقول بكلِّ صورة ممكِنة، وتخريب الأذهان بأيِّ وسيلة متاحة؛ حتى تكون مهيأةً لقَبول مِثل هذه التناقضات.

والخلاصة: أنَّ المنافقين الذين مزَّقوا الأمَّة بين الشرق والغرْب حتى أفقدوها هُويتَها، لم يَرْبَحوا الناس لبهاء تلك العقائد الخرِبة، ولكنَّهم استغلُّوا حاجةَ الناس وفقرَهم، وما كانوا يعيشونه من ظلمٍ وقهْر، وتجبُّر وفساد وإفساد، وبطش واستعباد، فدعوا إلى القضاءِ على المَلَكية ثم كانوا أشدَّ منهم ملكيةً وفسادًا.

وأمَّا أنْ يكون الشاغلُ الوحيد للحكَّام هو شاغلاً واحدًا فقط، وهو بقاؤهم في السُّلطة مع ضمانِ التوريث، فهذا مِن شأنه أن يسمح بوجودِ الفِرق الضالَّة، التي تجذب الناسَ بدعوى الخروج مِن الإذلال والاستعباد، كما فعَل الشيوعيُّون والعلمانيُّون والقوميُّون وأمثالُهم ممَّن عمِلوا على طمْس هُويَّة الأمَّة الإسلاميَّة العربيَّة - طمَس الله قلوبهم، وجعَل على عيونهم غشاوة.

فإقرارُ العدْل في البلاد مِن شأنه أن يُغلِق الباب على مَن يصطادون في الماء العَكِر.

كلُّ هذه سُبل يسعَى الإسلام مِن خلالها أن يسدَّ الثغور التي يَتخلَّل منها المنافقون لإشاعةِ الفِتن العارِمة في الأمَّة.

ثانيًا: المرحلة الثانية بعد الفِتنة:

ليس معنى اتِّخاذ كلِّ هذه الخُطوات الاحترازية أنَّ المجتمع يخلو مِن الضالِّين عقديًّا، فقد سمعْنا قبل ذلك تجرُّؤَ ابن سلول، ورأس الخوارج؛ إذ حاول كلاهما إثارةَ الفِتن العارمة، والحروب الأهليَّة، ولكن الله برحمته وقَى المجتمع مِن شرِّهما وشرِّ أمثالهما.

ويقوم المنهجُ الأمني الإسلامي للتصدِّي للفِتنة بعدَ وقوعها على عِدَّة دعائم، أهمها ما يلي:

1- المجادلة بالتي هي أحْسَن.

كما أرسل الخليفةُ الراشد عليٌّ - رضي الله عنه - عبدَالله بنَ عبَّاس - رضي الله عنهما - إلى الخوارج؛ كي يجادلَهم بالتي هي أحسن، وقد رَجَع معظمُهم بعدَ المجادلة إلى الحقِّ.

2- التأليف بالمال.

هناك الطامِعون الذين لا بدَّ لهم مِن العطاء حتى يكفُّوا فِتنهم عن الأمَّة، وهذا ما كان يفْعله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما هو معلومٌ في حنين وغيرها.

3- التنكيل بالرؤوس الداعية إلى الفِتنة كما فعَل الفاروق - رضي الله عنه - مَع صَبيغ بن عسل، وقد ذكرْناه في مقالٍ سابق.

4- الحزْم معهم حزمًا رادعًا، كما فعَل الصِّدِّيق - رضي الله عنه - مع المرتدِّين، والمتنبِّئين، ومانعي الزكاة، وكما فعَل عليٌّ - رضي الله عنه - مع الخوارج.

وأحسب أنَّ مجتمعًا يأخُذ بدعائم المنهج الأمْني في الإسلام، لا يُمكن أن تتسلَّل إليه الجريمةُ بأيٍّ مِن صورها القبيحة، اللهمَّ إلاَّ بدرجة تكون مِن الندرة بحيث لا يكون لها ذِكرٌ ولا تأثير.

وأحسبُ أنَّه قد آنَ لنا أن نعودَ إلى المنهج الأمْني في الإسلام، وقد كنتُ استعنت بربي على تفصيله في عِدَّة مجلَّدات، أسأل الله تيسيرَ نشْرها، وقد اختصرتُ ذلك في مقالاتٍ مختصرَة إذا قُورنت بأصلِ مبحثِها الذي غدَتْ حاجتنا إليه الآن أكبرَ مِن أيِّ فترة مضتْ، والله مِن وراء القصد.

وأخيرًا: أؤكِّد على قصد المقالة، وهو أنَّ قانون العقوبات لا يشكِّل إلا آخِرَ مرحلة مِن مراحل المنهج الأمني الإسلامي، وهو مع قوَّته وحزْمه لا يشكِّل أكثر مِن 1% مِن المنهج الأمني، والعقوبات الشرعيَّة لا قِيمة لها بغير الجوانبِ الأمنيَّة الأهم منها قدرًا، والسابقة عليها مرحلةً.

واللهَ أسأل أن يُقرَّ عيوننا بالعودةِ إلى المجتمع المسلم، الذي يعيش على دولته الإسلاميَّة الموحَّدة التي تختار بالشورى أعْلَمَها بالله، وأخشاها منه، وأتْقاها له، وأقواها على العملِ بشريعته؛ ليكونَ أميرَها الذي يحكُمها بشَرْع الله تعالى، والذي لا أمْنَ لنا ولا أمانَ في سِواه البتَّة.

وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَميْنَ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ ألاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.

لا يوجد بث مباشر الان
حكم الاحتفال بشم النسيم - الشيخ كشك رحمه اللهالاحتفال أو التهنئة برأس السنة الميلادية حكم الإحتفال برأس السنة الميلاديةعقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيمعنى الولاء والبراء..وإلى أين يتوجهان ؟ .. الشيخ الطريفيالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة