العلماء والدعاة    الشيخ أحمد عبد الحميد عبد الحق
التصنيف العام شبه وردود
وهل نحن أبر بأهل الكتاب وأكثر مودة لهم من رسول الله وصحابته

 

وهل نحن أبر بأهل الكتاب وأكثر مودة لهم من رسول الله وصحابته

د / أحمد عبد الحميد عبد الحق

من الأمور المسلم بها والتي لا يختلف فيها اثنان أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم كان مثالا للبر والسماحة والرحمة والمودة بالناس جميعا مسلمين وغير مسلمين ، وقد شهد له بذلك أهل مكة لما دخل عليهم صلى الله عليه وسلم فاتحا ، وقد دلت الآثار على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعود جيرانه من اليهود إذا مرضوا ، ويهدي إليهم من ذبائحه ، ولم يعاد منهم إلا من عادوه ، ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند أحدهم ، وإكرامه وحسن استضافته لمن زاره من أهل نجران وغيرهم معلوم للصغير والكبير ، وأحاديثه التي توصي بأهل الذمة ( وهم كل سكان البلاد المفتوحة من غير المسلمين ) مدونة في كتاب الصحاح لمن شاء أن يطلع عليها  ..

 واقتدى به الخلفاء الراشدون ـ رضوان الله عليهم جميعا ـ من بعده ، ومآثر عمر الفاروق ـ رضي  عنه ـ في هذا الشأن قد تملأ مجلدا ضخما لو أحصيناها ، ولذلك لا أكون مبالغا إذا قلت : إننا ـ مسلمي العصر الحديث ـ لن نصل في بر الآخرين من غير المسلمين والإحسان إليهم إلى الدرجة التي وصل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه كان أرأف الناس وأبر الناس وأرحم الناس وأعدل الناس وأوفى الناس ، وامتلأ قلبه حبا للجميع وشفقة للجميع ، وما كان في قلبه مثقال ذرة من بغض أو كراهية لأحد ؛ حتى ألد أعدائه ما كره ولا بغض أشخاصهم ، وإنما بغض كفرهم وأعمالهم فقط ، وقد رفض ـ عليه السلام ـ أن يُلعن أمامه فرعون الأمة أبو جهل بعد مماته ، وقال صلى الله عليه وسلم في معنى حديثه : إن اللعنة أو السب يؤذي الحي ولا يصل للميت ، وكان يوصي أصحابه بأن يصلوا أقرباءهم من المشركين ويحسنوا إليهم ؛ انطلاقا من قول المولى عز وجل :" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: 8]..

ومع بره ـ صلى الله عليه وسلم ومودته بغير المسلمين إلا أنه كان حريصا على ألا يجاملهم في أديانهم، ولا يزورهم في مناسباتهم الدينية ،ولا يذهب إليهم في طقوسهم ،ولا يهنئهم في أعيادهم ، ولا سعد بأن يهنئوه في عيده ، بل كان أمره بينا ،وهديه واضحا ، لا تمييع فيه ، ولما طلب بعض المشركين أن يجاملهم ويجاملوه ، وقالوا له : نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة ، أنزل الله عز وجل عليه قوله : " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) "..

وقد كان للعرب المشركين أعياد ، وللفرس المجوس أعياد ، ولليهود المجاورين له في المدينة أعياد ، وللروم النصارى أعياد ، وما فكر صلى الله عليه وسلم في تهنئتهم في الأعياد من باب تأليف قلوبهم ومودتهم وتحبيبهم في الإسلام ، ومعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد راسل ملوك وأمراء العالم يدعوهم إلى الله عز وجل ، ولو كان في الأمر متسع لاستغل المناسبات والأعياد ، وهنأهم بها ، واتخذ ذلك وسيلة للدعوة ، وهو صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يسلك كل السبل المتاحة في دعوة الناس إلى الإسلام ..

إن قريشا قومه وأحب الناس إليه ظلت حريصة على إقامة حفلاتها وأعيادها حتى قبيل فتح مكة ، وما فكر صلى الله عليه وسلم في تهنئتهم ، بل على العكس كان القرآن ينزل بتسفيه أحلامهم على الجهالات التي يفعلونها في تلك المناسبات والأعياد ، وحتى ما كان من أعمالهم مخلوط بشيء من الحق قد عابه القرآن الكريم عليهم ، فقال عز وجل :" "وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " [الأنفال: 35]..

وقد يقول قائل : إن هذا قد حصل أيام العداوة والصراع بين الإسلام والكفر أما وقد صار غير المسلمين وخاصة أهل الكتاب جزءا من المجتمع الإسلامي وصاروا جيرانا لنا وصرنا جيرانا لهم فلا بد من الذهاب إليهم وتهنئتهم ، فأردُ عليه بأن أهل الكتاب صاروا جزءا من المجتمع الإسلامي ، وتعايشوا مع المسلمين ، وتعايش المسلمون معهم في أمن وسلام وتصاهر منذ اتساع حركة الفتوح الإسلامية في عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ وهذا لم يمنع كل فريق من التميز عن الآخر بدينه والاعتصام به ، ولم أقرأ رواية واحدة خلال التاريخ الذي حكم فيه المسلمون تفيد بأن أحدا من الأمراء كان يذهب لتهنئة اليهود أو النصارى أو غيرهم بأعيادهم ولا مشاركتهم في قداسهم ، فالقداس عبادة كصلاة الجمعة أو العيد ، ونحن لم نطلب من غير المسلمين أن يحضروا ليشاركونا صلاة العيد أو صلاة الجمعة التي لا تجب إلا على المسلمين ، ولا يذهب أحد من المسلمين ليشاركهم في عبادتهم وقداسهم إلا إذا قالوا : إن هذه ليست عبادة ولا طقوسا ولا قداسا ..

وقد يتعلل البعض بأن النبي صلى الله عليه وسلم زار اليهود في بيعتهم ، وأن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ دخل كنيسة القيامة فأرد عليه بأن زيارة البيع والكنائس ودخولها في حد ذاته لا شيء فيها ، وهي أماكن تصح الصلاة فيه عند الضرورة ، ولكن الذي لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف من بعده هو الذهاب لتهنئتهم أو مشاركتهم القداس .. 

وقد يقول البعض : إن عدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ليس دليلا كافيا على التحريم فأجيبه بأن ما يحصل في تلك المناسبات هي عبادة بالنسبة لأهل الكتاب نعم ولكنها أفعال محرمة في شرع الإسلام ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تنهى عن مجالسة الإنسان وقت المعصية أو الدخول عليه دون أن ينكرها عليه صريحة ، وهي تجعل من يرضى بذلك يكون شريكا في إثمها ..

وأي معصية أكبر في شرع الإسلام من معصية قوم اجتمعوا فيها ساعة ليقولوا : اتخذ الرحمن ولدا " وقد رد المولى عز وجل عليهم بقوله :" لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا* تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا* " [مريم: 89 - 93]..

وقد يقول قائل : إنما العبرة بنية الإنسان من الذهاب إليهم فأقول : إن تلك النية كان يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم ويعلم أحكامها ..

وأما من يقولون : إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان فإني أرد عليهم بأن هذه ليست فتوى وإنما حكما إسلاميا ، ولو افترضنا بأنها فتوى فإن الفتوى قد تتغير نعم بتغير الزمان والمكان عند الضرورة أو تغير الأحوال ، فما الذي تغير في دنيانا لنجعل ما أفتى به ابن القيم في تلك المسألة لا ينطبق على زماننا ؟!...

قد يقال : المجتمع الدولي ونحن لا نسعى للصدام معه فأقول : المجتمع الدولي لم ولن يأتي أحد منه ويقول : سنعلن عليكم الحرب إن لم تذهبوا لمشاركة النصارى في قداسهم وتهنئتهم !.

وقد نقول : شركاء الوطن فأقول : شركاء الوطن يريدون منا العدل ، ومن دواعي العدل أن يستقل كل منا في دينه ، يذهب المسلم بكل حرية إلى مسجده إذا شاء ويذهب المسيحي بكل حرية إلى كنيسته متى شاء ، شركاء الوطن يريدون حسن التجاور والتعايش والألفة والتعاون والتهادي والمساعدة على مدار العام لا أن نحصر القضية كلها في جواز الذهاب لمشاركتهم في قداس عيدهم وتهنئة أحبارهم ورهبانهم !..

وإذا كان الإسلاميون يريدون أن يثبتوا لشركاء الوطن هؤلاء من غير المسلمين أنهم سيكونون أحسن حالا معهم من النظام السابق فإن هذا لا يكون بالتسابق إلى كبرى كنائسهم وتهنئة عظمائهم ؛ لأن هذا لم يُقصّر فيه النظام البائد ، فقد قام بالواجب وأكثر ، وإنما يكون بالنظر إلى البائسين منهم ومساعدتهم وتقديم العون لهم والسعي لتخفيف أعباء الحياة عنهم هم والسواد الأعظم من المسلمين الذين طحنتهم تكاليف المعيشة بعد أن ناءت عليهم بكلكلها ..

فيا أيها المسئولون الجدد ! يا من رفعتم شعار الحرية والمساواة والعدل ! إن الكثرة الكاثرة من غير المسلمين ( وأنا على يقين من ذلك ) لا تنتظر منكم البحث في شرع الإسلام للوصول لدليل على جواز أو وجوب الذهاب لتهنئة سادتهم  يوم عيدهم ، وإنما ينتظرون منكم أن توفروا لهم ولغيرهم حياة طيبة كريمة كالتي وفرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرعيته التي كان غير المسلمين فيها ربما يزيد عن 70% من تعداد الدولة الإسلامية الكبرى ، يريدون منكم فقط العمل على إيجاد مجتمع منتج نظيف متطور إيجابي يسوده العدل والمساواة ، مجتمع يخلو من المحسوبية والرشوة والسرقة والاختلاس والاحتيال والتعالي ، مجتمع لا ينخلع فيه الإنسان من بشريته إذا عُين في منصب مرموق ليكون في عالم آخر ، عالم يجعل المال العام تركة له ولأسرته ..

 هم لا يريدون منكم بدء مشواركم السياسي بالذهاب لتهنئة البابا ، وإنما يريدون أن توجدوا مستشفى لمعالجة مرضاهم ومرضى المسلمين ، أن توجدوا لهم مدرسة حقيقة يتعلم فيها فقراؤهم وفقراء المسلمين بعيدا عن الدروس الخصوصية ، يريدون مخبزا يأكلون منه هم والمسلمون عيشا من دقيق خالص لا مزيجا من تراب ودقيق ، يريدون ماء نقيا خالصا من الرواسب والصديد ، فهل أنتم مستمعون؟!!

 

لا يوجد بث مباشر الان
حكم الاحتفال بشم النسيم - الشيخ كشك رحمه اللهكيف نستعد من رجب و شعبان - لرمضان عقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيمعنى الولاء والبراء..وإلى أين يتوجهان ؟ .. الشيخ الطريفيتعلم اركان الحج وزارة الحج السعوديةالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة