العلماء والدعاة    الشيخ طارق منير
التصنيف العام الواقع المعاصر
من استرعى الذئب ظلم

من استرعى الذئب ظلم.

الشيخ:طارق منير

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، ومن والاه ، وبعد

روى البخاري في صحيحه في "كتاب الإيمان" معلقاً مجزوماً به فقال : ( وقال عمّار: ثلاث من جمعهنّ فقد جمع الإيمان : الإنصاف من نفسك ، وبذل السلام للعالَم ، والإنفاق من الإقتار).

الرائد لا يكذب أهله ، والناصح لا يغش أمته ، والمتأني الذي ينظر إلى الأحداث بعين البصيرة ، والمنصف الذي ينصف الناس من نفسه ، والعاقل الذي يُبصر مواقع أقدامه.

إنّ حقيقة ما يجري الآن من طمس لمعالم الحقيقة ، والمضي في هذا الهزْل الذي يعلم صانعوه أنه وهم يبيعونه للخلق ، وحقيقته أنه وطن مسروق على أيدي زمرة فاسدة تستهين بالحياة والقيم ؛ وجدت على حين غفلة من يصفق ويهلل لجرائمها ، بل ويحضها حضاً على الإسراع بغسل أيديهم الملوثة بالدماء المعصومة .. ألا يستشعر من يلّوح بأصابعه التي تخضبت باللون الأحمر مبتهجاً بتأييد هؤلاء : أنه قد غمس يده في دماء المسلمين التي أريقت في رابعة والنهضة، ورمسيس ، والحرس ، والمنصة ، وسيارة الترحيلات ، وهلمّ جراً ، و سيخاصمه بإذن الله أصحابُها بين يدي الله جزاءً وفاقاً على ركونه لهؤلاء الظلمة ، وتأييده لهم. ولا أظن ّ إن كان في قلب أحد من هؤلا مُسكة من حياة : أنه يأتيه صوت من أعماق صدره يسمعه هذا المعنى ، ويذكره بصور الجرافات التي جرفت جثث المسلمين دون أدنى اعتبار لحرمة الحياة ، ومهابة الموت و لكنه سرعان ما يطرده ويهرب منه ويحاول دفنه في حنايا صدره ، وهيهات هيهات ، وأخشى والله أن يكون لهؤلاء نصيب من قوله تعالى : " لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلاّ أن تقطّع قلوبهم والله عليم حكيم"التوبة .

الأمر جلل ، وهو جِدٌ وليس بالهزل ، ودعوا عنكم الأوهام والأحلام التي تخدعون بها أنفسكم :أنّكم بذلك تحمون البلاد والعباد!!وماذا حققتم طيلة الشهور الماضية إلّا مباركة الظلمة والتهليل لهم!!

وهل عندما نغضب لانتهاك حرمات المسلمين ، وسفك دمائهم ظلماً ، وانتهاك أعراض الرجال والنساء ؛ وحرق الأحياء والأموات ،وتسليم الوطن لزمرة فاسدة عاثت في الأرض فساداً دهوراً طويلة ؛ نكون بذلك تحكمنا العواطف؟!! !!

، هل يجوز شرعاً أن تنتهك أعراض المسلمين على مرأى ومسمع منهم ثم يغضون الطرف عنها بزعم مصلحة مهدرة شرعاً، فإنّ المصالح المعتبرة هي التي توافق الشرع ولا تنقض أحكامه، ولا حول ولا قوة إلا بالله !!

وهل ما يتم الآن من التأييد والتمجيد لظالم صائل ؛ أليس تدليساً على الأمة ؟!!، وما عساه يأتي بجديد وهو يحكم منذ عشرة شهور ولم يقدّم لنا في أفعاله إلا التدمير والتخريب ، وفي أقواله إلا الكذب الصريح ، ثم ضحالة فكرية منقطعة النظير في حواراته الإعلامية ، وحلول للبطالة وغيرها يسخر منها الصغير والكبير!!

ثم ألا تستحون من الانضمام لقافلة الراقصين والراقصات ، وتنضوون تحت حملة شعارها:" الرقص للجميع فوق الجماجم والأشلاء"!!

و هل تنعقد الإمامة لفاسق ابتداءً؟!!

قال القاضي عياض رحمه الله: ( ولا تنعقد لفاسق ابتداءا) اه. شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ٢٢٩.

وكذا قال القرطبي رحمه الله ونقل عدم الخلاف في ذلك ، انظر الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٧٠.

ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: " قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين" الآية البقرة

قال الحافظ ابن كثير : وقال مجاهد: ( أراد أنّ الظالم لا يكون إماماً).

وبنحوه ذهب الشوكاني فقال:( وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لابد أن يكون من أهل العدل ، والعمل بالشرع كما ورد ؛ لأنه إن زاغ عن ذلك كان ظالماً) فتح القدير ١/ ١٣٨.

سبحان الله !! كان لدينا حاكم يحفظ كتاب الله ، ولا يوجد على وجه الأرض حاكم يحفظ كتاب الله سواه !! وكنتم تقولون عنه إنّه لا ولاية له ، وكنتم تجهرون بمخالفته ، بل وتقليب الناس عليه أنه عيّن فلاناً وفلاناً!! ، ودعوتم الناس بالقول المبطن والفعل بالخروج ضده ؛ ونكثتم عهده ، وانقلبتم عليه رغم أنه جاء باختيار الناس له والاجتماع عليه، ليس بغلبة ولا قهر!!

ولماذا خفت لكم هذا الصوت العالي في المعارضة والإنكار ؛ وكل ما أنكرتموه قبلاً؛ أضعافه الآن قد حصل وسيحصل!! لا أسكت الله لكم صوتاً!! ، أنا موقن بأنه كانت هناك أخطاء جسيمة ، وفادحة في المرحلة الماضية ؛ لكن لاتبرر لكم شرعاً ما فعلتموه .

وبمناسبة الحاكم المتغلب : فالمسألة فيها أقوال وليست مجمعاً عليها ، وهي أيضاً مشروطة بالحكم بما أنزل الله ،وهو الشرط العام للإمام

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة ، ما أقام فيكم كتاب الله" رواه البخاري :

وعن أمّ الحصين رضي الله عنها قالت: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع.. فقال : إن أمّر عليكم عبد مجدّع- ( مقطوع الأطراف) - يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا" رواه مسلم .

فهده الأحاديث واضحة على أنه يشترط للسمع والطاعة أن يحكم الحاكم بكتاب الله ، أمّا إذا لم يحكم بكتاب الله ؛ فهذا لا سمع له ولا طاعة ؛ وهذا يقتضي عزله ؛ لأنه داخل في صور الحكم بغير ما أنزل الله المفسقة.

والسؤال الآن لكم : جل العصور السابقة كان يحكمها أمثال هؤلاء ؛ فهل حكموا يوماً بالقرآن أو بالشرع طيلة عشرات بله مئات السنين حتى يحكموا بها اليوم ؟!! ، ولا حول ولاقوة إلا بالله.

ثم ألم يكن مبارك متغلباً بالشوكة طيلة ثلاثين سنة ، ومع هذا كنتم ترونه فاسقاً، فاجراً ، وظالماً، ولاترون له سمعاً ولاطاعة؟ ومالفرق بين الرجلين إذن ؟ وهل ارتكب مبارك مثل هذه المجازر طيلة عهده؟!! ، في يوم واحد يقتل الآلاف ظلماً وعدواناً!! ألا ينظر لمثل هذا المرشح ؛ أنه مرشح الثورة المضادة على الحقيقة ، وأنه امتداد لأبشع وأظلم من نظام مبارك.

وهل يأتي الخير بالشر؟!! أبداً والله لا يأتي الخير- إن كان خيراً حقاً- إلا بالخير كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وحديثه في الصحيح ، وهذه المؤامرة المشؤومة التي دبرت بليل :ملأت بيوت الآلاف من المسلمين بالآلام والأحزان ، ولم تأت طيلة الشهور الماضية إلا بالخراب والدمار في الاقتصاد ، والاجتماع ، والسياسة، والتجارة ، وشتى مناحي الحياة ، وأطلقت دخان الفتن التي لا يعلم مداها إلا الله ، وأشعلت حريقا، وثأراً، وانقساماً مجتمعياً خطيراً ينذر بوخيم العواقب ، وكل هذامن الحصاد المرِّ لما شاركتم فيه وباركتموه من الخروج على الرئيس الشرعي ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ثمة أمر مهم ، الحاكم الصالح االتقي هو الذي يجمع الكلمة ، ، ويصلح ذات البين ، ويؤلف بين القلوب ، ويصلح بين النفوس ، كذلك أخرج الإسلام قادة عظماء للمسلمين ، أخلصوا لله ؛ ففتح الله على أيديهم الفتوحات ، وجمع الله بهم شتات الأمة ،

أمّا الحاكم الذي يدعو بدعوى الجاهلية ، ويقسم الناس إلى شعب وشعب ، وطائفة وطائفة ، ويمزق نسيج الوطن ، ويفتت دعائمه ، ويسلط أعداء الأمة على بلاده : فهو خائنٌ لله ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين ، وهو مفسد يسير على درب المفسدين أمثال فرعون وهامان، وينتظره بإذن الله نفس المصير: هو وزمرته إن لم يتداركهم الله بتوبة ، قال الله تعالى :

" إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أنّ نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ماكانوا يحذرون "القصص.

وأخيراً لا تحاولوا لي أعناق النصوص لياً ؛ لتوافق ما أنتم عليه ، وأرجوكم لاتتمسحوا بالصحابة رضي الله عنهم في إثبات سلامة موقفكم ، فهل كان ابن عمر وغيره من كبار الصحابة يثنون على الحجاج بن يوسف الثقفي خيراً ، أو يباركون فعاله ، أو يهللّون له ؛ حاشاهم والله وكلا ، كيف يفعلون ذلك وقد سمعوا فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " سيكون في ثقيف كذاب ومبير" رواه مسلم ، وكلهم اتفق على أنّ المبير- أي المهلك للحرث و النسل- هو الحجّاج ، وهل وقف الصحابة له بالإعلانات ، والافتخار بصوره ، والابتهال به ، وهل ذُكر عن واحد منهم أنه كان يقدّر الحجّاج !!! كيف وقد ذكر أنّ ابن عمر أوصى أن يدفنوه ليلاً ولا يُعلموا الحجاج ؛ حتى لا يحضر جنازته، بل لا يرونه إلا طاغية عنيداً بلغ السيل الرّبى من ظلمه ، ولقد خلّف ميراثاً من الظلم ، وسفك الدماء لم يسبق له مثيل ؛ ممّا جعل سليمان بن عبد الملك يأمر بذم الحجاج على المنبر، وأمر عمر بن عبد العزيز بنفي ما بقي من آل الحجّاج وتشريدهم ؛ جزاءً لفعاله ، وانتقاماً منه بعد موته .

وفرق كبير بين كون البعض من الصحابة لم ينقض إمارة الحجاج ؛ لكونه كان يحكم بالقرآن والشريعة رُغم ظلمه ؛ حقناً لدماء المسلمين ، وبين التأييد ، والتهليل ، والمباركة لفعاله ، وأنه الوحيد القادر على حسن إدارة البلاد، وسياسة العباد!! لا حول ولا قوة إلا بالله ، وقد خالف آخرون من الصحابة وخرجوا على الحجّاج كابن الزبير رضي الله عنه ، وكذلك جماعاتٌ من خيار التابعين ؛ لما رأوا فيه من التغيير، والظلم ، والتبديل ، وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجةً على البعض الآخر إلّا بموافقة الأدلة الشرعية الأخرى ، كما هو معلوم عند أهل العلم والأصول .

صدقوني ما أرى ما أنتم عليه من الجدال والحجاج لموقفكم -الذي يصادم الأصول ، والأعراف ، حتى الفطرة - إلّا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده فوفّاه حسابه، وإنّ غداً لناظره قريب ، ولينصرنّ الله من ينصره ، والله غالب على أمره ، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

الصفحة الرسمية للشيخ طارق منير

لا يوجد بث مباشر الان
حكم الاحتفال بشم النسيم - الشيخ كشك رحمه اللهالاحتفال أو التهنئة برأس السنة الميلادية حكم الإحتفال برأس السنة الميلاديةعقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيمعنى الولاء والبراء..وإلى أين يتوجهان ؟ .. الشيخ الطريفيالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة