العلماء والدعاة    الشيخ سعيد عبد العظيم
التصنيف العام الواقع المعاصر
هوس المونديال؟!

هوس المونديال؟!

فضيلة الشيخ الدكتور//سعيد عبدالعظيم

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و على آله وصحبه ومن والاه .

أما بعد مع انطلاق فعاليات بطولة كأس العالم لكرة القدم ينشغل ملايين البشر في مختلف دول العالم؛ بمتابعة المباريات وأحداثها ونجومها وتقاليعها؛ والكثير من الناس يعطون هذا الحدث اهتمامًا بالغًا لدرجة الهوس ويفرقون بين الاعب الهاوي والمحترف , فاللاعب المحترف له قدر و قيمة يفترق بها عن اللاعب الهاوى , من حيث الأداء و السعر , فإذا كان اللاعب متقناً , وصفوه بأنه يلعب باحتراف , ويتكلمون عن أسعار اللاعبين المحترفين , وقد تبلغ الملايين , كما يتكلم الناس عن قواعد الاحتراف , وافتراق الأمر بين الخارج و الأندية المحلية , وانعكاس ذلك على المهارة , فتسمع من يُعبِّر و يقول : الرياضة عندهم فى الخارج متقدمة , وعندنا متخلفة !! والاحتراف موجود فى كثير من الألعاب , إلا أن كرة القدم لها الحظ الأوفى و النصيب الأكبر من الاهتمام فهى الرياضة الشعبية الأولى التى تحظى بتشجيع الملايين من الرجال و النساء و الكبار و الصغار , ويستلفت نظرك هذا الصخب على اللهو و اللعب , وهذا الضجيج على الهواة و المحترفين , فى وقت غربة عز فيه الجد و صار للعب قيمة و قدر , لابد من رد الحق لنصابه , والرجوع فى هذا و غيره لكتاب الله و لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم , حتى يصطلح كل فريق على حقه دون إفراط أو تفريط , قال تعالى ( إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ )" يونس : 7 – 8 " وقال سبحانه ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ) " محمد : 12 " وقال ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) " العنكبوت : 64 " وقال ( وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ ) " الرعد : 26 " وفى الحديث " ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر بما يرجع " رواه مسلم وقال صلى الله عليه و سلم " إن الدنيا حلوة خضرة , وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون , فاتقوا الدنيا واتقوا النساء " رواه مسلم , وكل ما يشغل عن الله , وعن إقامة واجب العبودية فهو مذموم , ففى الحديث " الدنيا ملعونة , ملعون ما فيها إلا ذكر الله , وما والاه , وعالماً و متعلماً " رواه الترمذى وقال حسن غريب .

ولما رأى أحد العلماء إخواناً له يلعبون , فسألهم فقالوا : قد فرغنا , فقال لهم : ما بهذا أمر الفارغ , قال " فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب " , ولما قيل للبعض : متى الراحة , قال : عند أول قدم تضعها فى الجنة , وقال الآخر , لم يزل أهل المروءات الواحد منهم تعباناً فى كل زمان , نقول هذا ونحن ندرك أنه لابد من رقاد الغفلة وسنة الغفلة , ولكن كن خفيف النوم , كما لابد من الترويح عن النفس بالمباحات , ففى الحديث " والذى نفسى بيده إنكم لو تدومون على ما تكونون عندى وفى الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفى طرقكم , ولكن يا حنظلة ساعة و ساعة " رواه مسلم , وكان النبى صلى الله عليه و سلم يمزح ولا يقول إلا حقاً , ويسابق أم المؤمنين عائشة , ويقول خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلى , وكان النبى صلى الله عليه و سلم هاشاً باشاً ضحاكاً بساماً , يتعوذ بالله من الهم و الحزن , وقال على بن أبى طالب رضى الله عنه : إن القلوب تمل كما تمل الأبدان لها طرائف الحكمة , وقال : روحوا القلوب ساعة بعد ساعة , فإن القلب إذا أكره عمى , فالصحابة رضى الله عنهم كانوا يمزحون و يضحكون و يلعبون ويتندرون , وكل ذلك لا حرج فيه , ولكن الحرج فى أن تصبح حياة الإنسان لعباً ولهواً , أو أن ينشغل بذلك عن الواجبات , أو أن يهزل ويلعب فى موضع الجد , أو أن يتلهى بالمعاصي و المحرمات , أو أن يعيش بمنطق الجاهلية الأولى ويقول : اليوم خمر وغداً أمر , أو ساعة لربك و ساعة لقلبك , والساعة التى هي لقلبه , يطيع فيها كل شيطان مريد , وليكن اللهو المباح أشبه بالملح للطعام , فإذا زاد الملح أفسد الطعام , وكذلك الحياة تفسد إذا صارت مرتعاً للاعبين الهواة و المحترفين , وبعض الشر أهون من بعض , يخطئ من يظن أن الرياضة لا علاقة لها بدين الله , أو أن التطور و التحضر و التقدم معناه الانسلاخ من شرع الله , قال تعالى ( قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )" الأنعام : 162 " وقال (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) " الإسراء : 9 " وقال ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) " النساء : 65 " لا مانع من وجودنا فى القرن إلحادي و العشرين مع استمساك الرجل بلحيته وتقصير ثوبه , واستمساك المرأة بحجابها الشرعى , وصناعة السيارة وركوب الطائرة و الصاروخ لا يتعارض مع إظهارنا لشعائر ديننا , وإحكام مفهوم الولاء و البراء فى حياتنا , وما يتخيله ضعاف البصر و البصيرة من أن اللحاق بركب العصر , معناه نسيان الدين و هجر الفضيلة مرفوض . لقد صارع النبى صلى الله عليه و سلم ركانه – وهو من مشاهير العرب بالقوة – فصرعه النبى صلى الله عليه و سلم ثلاث مرات , وكان على – رضى الله عنه – عداءً , وكان سلمة بن الأكوع يسابق الخيل فيسبقها , وقد أذن النبى صلى الله عليه و سلم فى لعب الحبشة بالحراب فى المسجد ... وكان الغرض من جميع هذه الرياضات التى كانت تعرف فى صدر الإسلام بالفروسية هو الاستعانة بها على إحقاق الحق و نصرته و الدفاع عنه , ولم يكن الغرض منها الحصول على المال و جمعه ولا الشهرة وحب الظهور , ولا ما يستتبع ذلك من العلو فى الأرض و الفساد فيها كما هو حال أكثر الرياضيين اليوم , إن المقصود من كل الرياضات على اختلافها هو التقوى واكتساب القدرة على الجهاد فى سبيل الله تعالى , وعلى هذا فيجب أن نفهم الرياضة فى الإسلام والأصل فى مشروعية الرياضة قوله تعالى (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ) " الأنفال : 60 " وقول الرسول صلى الله عليه و سلم " المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف " لانغالى لو قلنا , إن كرة القدم هي من أسوأ الرياضات , رغم ذيوعها وشيوعها وانشغال الملايين بها .

وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله , عن الحكم فى رؤية مباريات الكرة التى تلعب على كأس أو منصب من المناصب , كاللعب على دوري أو كأس مثلاً : فأجابت اللجنة: مباريات كرة القدم حرام وكونها على ما ذكر من كأس أو منصب أو غير ذلك منكر آخر , إذا كانت الجوائز من اللاعبين أو بعضهم لكون ذلك قماراً , وإذا كانت الجوائز من غيرهم فهى حرام لكونها مكافأة على فعل محرم , وعلى هذا فحضور المباريات حرام أ.هـ لا يستغرب حكم لجنة الفتوى بشأن كرة القدم فشيوعها على هذا النحو المريب لا يجعلها مباحة مشروعة , وذلك للأمور التى تصاحبها ولا تنفك عنها ككشف الأفخاذ , وتأخير وإضاعة الصلوات و الواجبات والأوقات والأموال ومصاحبتها بالرفث وقول الزور و الباطل من سب و شتم و غيبة وما إلى ذلك , واستخدامها كوسيلة لإلهاء الشعوب , وإحداث العصبية التى هي أشبه بالجاهلية الأولى , وتمييع مفهوم الولاء و البراء , فالحب و البغض صار لأجل اللعب ليس لله فيه نصيب , بل استعاروا المصطلحات الشرعية وأضافوها للاعبي الكرة كالحارس , والدفاع والهجوم , وأطلقوا أسم شهيد الكرة على من يموت من الجماهير أو اللاعبين بسبب فوز فريقه أو هزيمته !! إلى غير ذلك من صور السفه , وهل يصلح هؤلاء أن يكونوا أسوة وقدوة لشباب الأمة , وكيف نصفهم بوصف الأبطال , ونضفى عليها نعوت الإبهار , أقول للأسف : إن أمتنا لم تستورد شيئاً نافعاً حتى فيما يتعلق بالرياضة وقد ابتلى بكرة القدم الكبار و الصغار و الرجال و النساء – لعباً ومشاهدة وتعليقاً – بل وتتم المباريات النسائية و المختلطة فى كرة القدم بين الحين و الآخر , وينقلها التلفزيون , ولا يختلف اثنان فى حرمة ذلك , وتتبارى الدول فى استضافة الدورات الأوليمبية , وتنفق عليها المليارات , فى الوقت الذى يعانى فيه المسلمون خطر المجاعات هنا و هناك , بسبب حروب الإبادة وغيرها . إن الرياضات كثيرة متنوعة , لا تأخذ حكماً واحداً , وقد حرم مجلس المجمع الفقهي المنعقد بمكة المكرمة , رياضة الملاكمة لأنها تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاءً بالغاً فى جسمه قد يصل به إلى العمى أو التلف الحاد أو المزمن فى المخ , أو إلى الكسور البليغة , أو إلى الموت دون مسئوولية الضارب مع فرح الجمهور المؤيد للمنتصر , والابتهاج بما حصل للآخر من الأذى , وهو عمل محرم مرفوض كلياً وجزئياً فى حكم الإسلام , كما قرر المجلس عدم جواز عرضها فى البرامج التلفازية كيلا تتعلم الناشئة هذا العمل السئ وتحاول تقليده , ورأى المجلس أن المصارعة الحرة شبيهة بالملاكمة وتأخذ حكمها فى التحريم , وأما الأنواع الأخرى من المصارعة التى تمارس لمحض الرياضة البدنية ولا يستباح فيها الإيذاء فإنها جائزة شرعاً ولا يرى المجلس مانعاً منها .

ويحرم التحريش بين الحيوانات كالجمال و الكباش و الديكة كما تحرم مصارعة الثيران , ولا تجوز ألعاب الحظ و القمار كالطاولة و الدومينو واليانصيب و الكوتشينة و الثلاث ورقات . فكن على بصيرة من أمرك وأمر الناس فالوقت وقت غربة وجهالة , وكلمة الرياضة التى تنبهر بها النفوس . قد لا تخلو من صور محرمة , بل حتى الرياضات النافعة المفيدة كألعاب الفروسية و السباحة و الغطس و الجرى وسلاح الشيش و التصويب بالسهام و سائر ألعاب القوى ...... قد لا تخلو من محاذير كالقمار و الرهان المحرم فى ركوب الخيل , والانحناء على هيئة الركوع فى تحية لاعبى الكاراتيه والتايكوندو ... وجرى المرأة أمام الرجال وهى شبه عارية , أو السباحة أمام الرجال بمايوه البحر , وكشف عورات الرجال فى ألعاب كمال الأجسام ورفع الأثقال , والمخاطرة و المقامرة بالأرواح فى المشى على الحبال , وإهلاك الطيور و الحيوانات دون فائدة بحيث يصبح الصيد لمجرد العبث و اللعب و الضحك , وكذلك إلقاء النفس فى التهلكة أثناء سباق السيارات إذ أن السرعات الكبيرة و الخيالية يصعب معها التحكم فى القيادة , وليس الغرض من الرياضة إتلاف النفوس , وهكذا فقد تحتف الرياضة المباحة بأمور محرمة لابد من الحيطة لها و التحذير منها , حتى يصطلح كل فريق على حقه , فالغاية لا تبرر الوسيلة , وقول النبى صلى الله عليه و سلم " ارموا وأنا معكم " رواه البخارى , وقوله " كل شئ ليس من ذكر فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال , مشى الرجل بين الغرضين ( للرمى ) وتأديبه فرسه , وملاعبته أهله , وتعليمه السباحة " رواه الطبرانى بإسناد جيد , وكذلك قول عمر – رضى الله عنه " علموا أولادكم السباحة و الرماية ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثباً " ..... كل ذلك حق , لا يفهم منه إباحة التبرج ولا كشف العورات ولا إختلاط الرجال بالنساء , ولا سفر المرأة دون المحرم أو ملامستها للرجل الأجنبى...... كما لا يحل أن يكون الرياضة سبيلاً لأذى المؤمنين أو استلحاق المضرة بنفوس الرياضيين , إذ لا ضرر ولا ضرار , وفى الحديث " إن الله يكره أذى المؤمنين " رواه أحمد بسند جيد , وورد " لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً " رواه أحمد وأبو داود وبالجملة فالضوابط الشرعية لابد وأن تكون حاكمة للمواثيق الرياضية وقواعد اللعب يجب أن تنصبغ بصبغة الإسلام , وقبل الانبهار والإبهار باللاعبين – الهواة و المحترفين – ينبغى التعرف على الواقع مع استصحاب ما جاء فى الكتاب و السنة حتى لا نتعدى حدود الله , ونسأله سبحانه التوفيق والسداد للبلاد و العباد .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المقال من ارشيف الموقع بتاريخ 2006 ميلادية

لا يوجد بث مباشر الان
حكم الاحتفال بشم النسيم - الشيخ كشك رحمه اللهكيف نستعد من رجب و شعبان - لرمضان عقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيمعنى الولاء والبراء..وإلى أين يتوجهان ؟ .. الشيخ الطريفيتعلم اركان الحج وزارة الحج السعوديةالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة