العلماء والدعاة    الشيخ سعيد عبد العظيم
التصنيف العام مواسم الخير
في رحاب البيت العتيق

في رحاب البيت العتيق

كتبه/ سعيد عبدالعظيم

 بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 أما بعد :

  فالمسلم شديد الحب لربه والتعلق به والشوق إلى لقائه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة  يحرص على الصلاة وقد تنعقد خشوعًا وتنساب دموعًا  ولكنها لحظات  كما يحرص على الصيام والزكاة  وتبقى معاني الشوق تعتمل في نفسه  ولا أعظم من استفراغه في هذه البقاع المباركة وفي رحاب البيت العتيق الذي أضافه سبحانه لنفسه تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا. فالكعـبة المشـرفة هـي بـيت الله وهـي أول بيـت وُضــع للناس في أشرف بقاع الأرض مكة المكرمة  وهي أيضًا بكة التي تبك أعناق الجبابرة  وكل من قصدها بسوء  فمن همّ بمعصية بالحرم أذاقه الله العذاب الشديد  ( ومّن يٍرٌدً فٌيهٌ بٌإلًحّادُ بٌظٍلًمُ نَذٌقًهٍ مٌنً عّذّابُ أّلٌيمُ<25> ) [الحج: 25].

 والحنين لا ينقطع من نفوس المؤمنين تجاه بيت الله الحرام  فالكل ودّ لو بلغ هذا المكان لو على رأسه أو ببذل مهجته ( رّبَّنّا لٌيٍقٌيمٍوا الصَّلاةّ فّاجًعّلً أّفًئٌدّةْ مٌنّ النَّاسٌ تّهًوٌي إلّيًهٌمً وارًزٍقًهٍم مٌنّ الثَّمّرّاتٌ لّعّلَّهٍمً يّشًكٍرٍونّ <37> ) [إبراهيم: 37].

 لقد استجاب الله دعوة نبيه إبراهيم   بعد أن أسكن هاجر وولده الوحيد إسماعيل في هذا المكان القفر وهذه البقعة المجردة من كل زخرف وزينة  فتجد الثمار والفاكهة لا تنقطع منها على الرغم من صخورها الصماء  كما تلمس حركة التجارة الواسعة وحرص الناس على شراء الهدايا والتحف والطرف لإخوانهم وأهليهم رغم وجودها في بلدانهم  وقبل ذلك تجد الأفئدة المدفوعة بالحنين تُلبي هذا النداء العلوي ( وأّذٌن فٌي النَّاسٌ بٌالًحّجٌ يّأًتٍوكّ رٌجّالاْ وعّلّى  كٍلٌ ضّامٌرُ يّأًتٌينّ مٌن كٍلٌ فّجُ عّمٌيقُ <27> لٌيّشًهّدٍوا مّنّافٌعّ لّهٍمً ويّذًكٍرٍوا  سًمّ اللَّهٌ فٌي أّيَّامُ مَّعًلٍومّاتُ ) [الحج: 27  28].

فالناس يأتون من كل حدب وصوب  من كل أوب سحيق وفج عميق حاجين ومعتمرين وزائرين يلبون بلسان الحال والمقال: «لبيك اللهم لبيك  لبيك لا شريك لك لبيك  إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» تلبية لا تنقطع عن هذا المكان المبارك طيلة العام  ولا تنتهي بليل أو نهار. يأتي الناس من الصين والهند من أندونيسيا وباكستان  من روسيا وكشمير  من بلاد العرب والعجم على اختلاف ألسنتهم وأشكالهم وأوطانهم يعظمون رب البيت بتعظيمهم الشرائع والشعائر والكعبة المشرفة في وسط الدنيا وفي مركز الأرض  ولذلك قال سبحانه: ( لٌتٍنذٌرٍ أٍمَّ القٍرّى  ومّنً حّوًلّهّا وتٍنذٌرّ يّوًمّ الجّمًعٌ لا رّيًبّ فٌيهٌ فّرٌيقِ فٌي الجّنَّةٌ وفّرٌيقِ فٌي السَّعٌيرٌ (7) ) [الشورى: 7].

 ورغم وضوح هذه الحقيقة الشرعية والكونية إلاَّ أن الغرب جعل نفسه وسطًا مركزيًا ووصفنا بالشرق الأوسط  فغيّروا بذلك معاني الجغرافيا كما بدلوا معاني التاريخ  وهذا على عادتهم في تبديل وتغيير كتبهم  فقسموا التاريخ إلى قديم ووسيط وحديث  واعتبروا التاريخ القديم تاريخًا مظلمًا أما الحديث فهو عصر الحضارة والنور والتقدم. وهـذا لا نسلـم به  فالبشريـة ابتـدأت بنبيٍّ مُكـلّم هـو نبيّ الله آدم  أي بدرجة من أعلى درجات الهداية  وتتابع إرسال الرسل وإنزال الكتب ( رٍسٍلاْ مَبّشٌرٌينّ ومٍنذٌرٌينّ لٌئّلاَّ يّكٍونّ لٌلنَّاسٌ عّلّى اللَّهٌ حٍجَّةِ بّعًدّ الرَسٍلٌ )  [النساء: 165].

 والحضارة والتقدم والنور هو الذي يقوم منهاج النبوة وتحكيم شرع الله في الأرض  أما هؤلاء الذين انسلخوا عن دين ربهم فهم ( يّعًلّمٍونّ ظّاهٌرْا مٌنّ الحّيّاةٌ الدَنًيّا وهٍمً عّنٌ الآخٌرّةٌ هٍمً غّافٌلٍونّ (7) ) [الروم: 7]

 فهذا هو شأنهم  حتى وإن امتلكوا شيئًا من الماديات. وبأي شيء سنصف الحقبة التي بُعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلاَّ أنها كانت القمة في الحضارة والتقدم والنور  قال تعالى: ( وكّذّلٌكّ أّوًحّيًنّا إلّيًكّ رٍوحْا مٌَنً أّمًرٌنّا مّا كٍنتّ تّدًرٌي مّا الكٌتّابٍ ولا الإيمّانٍ ولّكٌن جّعّلًنّاهٍ نٍورْا نَّهًدٌي بٌهٌ مّن نَّشـّـاءٍ مٌنً عٌبّادٌنّا وإنَّكّ لّتّهًدٌي إلّى  صٌرّاطُ مٍَسًتّقٌيمُ <52> )  [الشورى: 52]. وما تقدم من تقدم إلاَّ بطاعة الله وما تأخر من تأخر إلاَّ بمعصية الله ( لٌمّن شّاءّ مٌنكٍمً أّن يّتّقّدَّمّ أّوً يّتّأّخَّرّ <37> ) [المدثر: 37]  فالغرب لكفره وضلاله لم يتورع عن التزييف حتّى بالنسبة للحقائق العلمية  فتصاوير الأقمار الصناعية توضح وجود الكعبة في مركز الأرض  والشرع قاضٍ وحكم على كل شيء.  وأنت هناك تجد الشوارع والأماكن جميعها تصب في هذه البقعة المباركة  وتزدحم الطرق بالخلق في ساعات الليل والنهار  ولا يُمنع أحد من الطواف بالكعبة المشرفة؛ لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف  لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت في أية ساعة من ليل أو نهار». وحرص الناس على الطاعات في هذه البقعة المباركة يبعث حرارة الإيمان وبرد اليقين بعظمة هذا الدين  فالناس بين راكع وساجد وتالٍ لكتاب الله ولا تجد نفسك إلاَّ مسبوقًا دائمًا  فلو حدثتك نفسك بالتبكير بصلاة الفجر أو الجمعة ستجد الخلق قد سبقوك وملأوا الحرم  فمتى خرجوا ومتى وفدوا  وإذا كنت تاليًا أو حافظًا لكتاب الله فالأعاجم يتلونه حق تلاوته ويحفظونه عن ظهر قلب  وقد تجد من انحنى ظهره لا يكف عن الركوع والسجود.. مشاهد إيمانية تربوية لردع النفوس التي تتوهم أنها قد بلغت شأوًا وقدرًا  فتردها إلى حجمها وتستشعر أنها من وراء وراء. وقد تحدثك نفسك بالطواف ببيت الله الحرام وتنتابك الوساوس بسبب شدة الزحام أو الحر  فتتجاسر عندما تجد النساء المجلببات الضعيفات يطفن بالكعبة في عز الظهيرة. وسبحان الله على المفارقات العجيبة بين من يروح عن نفسه في حر الصيف بالذهاب إلى شواطئ البحر حيث العرى والخلاعة واختلاط الرجال بالنساء  وبحيث لا تستطيع النظر إلى رجل فضلاً عن امرأة بسبب ارتداء ملابس البحر  وبين من يرجو رحمة ربه بطوافه وسعيه حتى وإن اشتد عليه الحر. لقد تنادى بعض المنافقين يوم تبوك وقالوا: ( لا تّنفٌرٍوا فٌي الحّرٌ ) [التوبة: 81]

  فكانت الإجابة: ( قٍلً نّارٍ جّهّنَّمّ أّشّدَ حّرَا لَّوً كّانٍوا يّفًقّهٍونّ <81> فّلًيّضًحّكٍوا قّلٌيلاْ ولًيّبًكٍوا كّثٌيرْا جّزّاءْ بٌمّا كّانٍوا يّكًسٌبٍونّ <82> )  [التوبة: 81  82].

 والحج والعمرة جهاد  الكبير والضعيف والمرأة  وشتان بين المطيع والعاصي والبر والفاجر  والحرم آمن بتأمين الله له  والواجب على الخلق أن يحافظوا على أمنه  قال تعالى: ( أّوّ لّمً يّرّوًا أّنَّا جّعّلًنّا حّرّمْا آمٌنْا ويٍتّخّطَّفٍ النَّاسٍ مٌنً حّوًلٌهٌمً ) [العنكبوت: 67]. وقال سبحانه في معرض الامتنان: ( لإيلافٌ قٍرّيًشُ (1) إيٌلافٌهٌمً رٌحًلّةّ الشٌتّاءٌ والصَّيًفٌ (2) فّلًيّعًبٍدٍوا رّبَّ هّذّا البّيًتٌ (3) الذٌي أّطًعّمّهٍم مٌن جٍوعُ وآمّنّهٍم مٌنً خّوًفُ (4) )  [قريش].

 والأمان ملموس في هذه البقعة المباركة  فالنساء والأولاد يخرجون ويتحركون في ساعات الليل والنهار في أمن وأمان  بل الحرم لا يُنفر صيده ولا يختل خلاه ولا يعضد شجره. ولما دخل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح أمّن من دخل داره   وقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» وقال قولته المشهورة: «ما تظنون أني فاعلٌ بكم» قالوا: خيرًا  أخٌ كريم وابن أخٍ كريم. قال: «فاذهبوا فأنتم الطلقاء  لا تثريب عليكم بعد اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» . وهم الذين آذوه بالأمس وأخرجوه من أحب بلاد الله إلى الله ومن أحب بلاد الله إلى لنفسه الشريفة  كما آذوه أيضًا في شخص أصحابه ^ أجمعين  إلاَّ أنه لم ينتقم لنفسه قط صلوات الله وسلامه عليه. وقام بتكسير الأصنام التي امتلأت بها الكعبة  وكان بها ثلاثمائة وستون صنمًا   أخذ يشير إليها وهو يقول: «قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا  قل جاء الحق وما يُبدئ الباطل وما يعيد». وردَّ مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة وكان عليٌّ   قد لوى ذراع عثمان بن طلحة وأخذ منه المفتاح   ودخل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم الكعبة يصلي فيها  فنزل عليه قوله تعالى: ( إنَّ اللَّهّ يّأًمٍرٍكٍمً أّن تٍؤّدَوا الأّمّانّاتٌ إلّى  أّهًلٌهّا وإذّا حّكّمًتٍم بّيًنّ النَّاسٌ أّن تّحًكٍمٍوا بٌالًعّدًلٌ ) [النساء: 58]

  فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلاَّ ظالم»  فأخذ عثمان المفتاح ثم كان في أخيه شيبة  وهو فيهم إلى يومنا هذا  والمفتاح أمانة  والصلاة أمانة  والحكم بما أنزل الله أمانة.. والذكريات والخواطر تموج بالنفس وهي في رحاب البيت العتيق   كتب أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي   يقول له: «هلم إلى الأرض المقدسة» فقال له سلمان: «إن الأرض لا تقدس أحدًا  وإنما يقدس المرء عمله». وقد تنضاف حرمة الزمان إلى حرمة المكان كالتواجد في الحرم في شهر رمضان أو أشهر الحج  وحينئذ يتأكد التعظيم لحرمات وشعائر الله ( ذّلٌكّ ومّن يٍعّظٌمً شّعّائٌرّ اللَّهٌ فّإنَّهّا مٌن تّقًوّى القٍلٍوبٌ <32> ) [الحج: 32]  ( ذّلٌكّ ومّن يٍعّظٌَمً حٍرٍمّاتٌ اللَّهٌ فّهٍوّ خّيًرِ لَّهٍ عٌندّ رّبٌهٌ ) [الحج: 30].

 لقد حاول أبرهة هدم الكعبة  واقتلع القرامطة الحجر الأسود من مكانه أكثر من عشرين سنة  ويُلوح التتار الجدد بين حين وآخر بهدم الكعبة  وكل هؤلاء قد باءوا ويبوءون بخسران مبين. ( أّلّمً تّرّ كّيًفّ فّعّلّ رّبَكّ بٌأّصًحّابٌ الفٌيلٌ (1) أّلّمً يّجًعّلً كّيًدّهٍمً فٌي تّضًلٌيلُ (2) وأّرًسّلّ عّلّيًهٌمً طّيًرْا أّبّابٌيلّ (3) تّرًمٌيهٌم بٌحٌجّارّةُ مٌن سٌجٌيلُ (4) فّجّعّلّهٍمً كّعّصًفُ مَّأًكٍولُ (5) )  [الفيل].

 لقد أحل الله لنبيه ساعة من نهار يوم الفتح  ولم يحل لأحد بعده  وعادت حرمته اليوم كحرمته بالأمس  فمن قصده بسوء قصمه الله ولن يستحل البيت إلاَّ أهله  فإذا حدث ذلك في آخر الزمان  فلا تسل عن هلكة العرب  والحبشة ينقضونه حجرًا حجرًا ويستخرجون كنزه. فالبيت العتيق مستهدف قديمًا وحديثًا؛ لكونه رمز الوحدة والتوحيد  فالناس يلتفون حوله في صلاتهم  ويتوجهون إليه أينما وجدوا  يسجدون لرب واحد  ويستقبلون قبلة واحدة   ولك أن تتخيل لو اجتمع الساسة والزعماء والقادة وأخلصوا العمل لله وبحثوا مشاكل المسلمين وفق ما جاء في الكتاب والسُّنَّة  وصاروا بذلك يدًا واحدة على عدو الله وعدوهم  فهل يمكن أن تقهرهم قوة أرضية مهما عتت وتمردت  وهل تستعصي عليهم المشاكل إذا رجعوا لمثل ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام؟! بالقطع لا. إنَّ البيت العتيق كان قبل المسجد الأقصى بأربعين سنة على نحو ما ورد في حديث أبي ذر   أنه كان موجودًا قبل إبراهيم    وإنما قام إبراهيم وإسماعيل برفع القواعد من البيت ( وإذً يّرًفّعٍ إبًرّاهٌيمٍ القّوّاعٌدّ مٌنّ البّيًتٌ وإسًمّاعٌيلٍ رّبَّنّا تّقّبَّلً مٌنَّا إنَّكّ أّنتّ السَّمٌيعٍ العّلٌيمٍ <127> رّبَّنّا واجًعّلًنّا مٍسًلٌمّيًنٌ لّكّ ومٌن ذٍرٌيَّتٌنّا أٍمَّةْ مَسًلٌمّةْ لَّكّ وأّرٌنّا مّنّاسٌكّنّا وتٍبً عّلّيًنّا إنَّكّ أّنتّ التَّوَّابٍ الرَّحٌيمٍ <128> )  [البقرة: 127].

ونبيّ الله إبراهيم كان أمة قانتًا و حنيفًا  ولم يكُ من المشركين  وما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا  ولكن كان حنيفًا مسلمًا  بل إنه كما وصفه سبحانه ( هٍوّ سّمَّاكٍمٍ المٍسًلٌمٌينّ مٌن قّبًلٍ ) [الحج: 78].

وهذا البيت طاف به الأنبياء  حتى قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وكأني بموسى بن عمران هايطاً الثنية له جوار إلى الله تعالى بالتلبية وقال: ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو ليثيننهما. وفي حجة الوداع طاف صلى الله عليه وسلم بالبيت على ناقته وقال: «خذوا عني مناسككم لعلّي لا أحج بعد عامي هذا» وقد حج معه صلى الله عليه وسلم قرابة المئة ألف من أهل المدينة ومن حولها  فيهم الكبير والصغير والرجل والمرأة. وقال بعرفات: «قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم». فهذا البيت يذكر بدعوة التوحيد وبمنهج الأنبياء والمرسلين وبوحدة هذا الدين ( إنَّ الدٌينّ عٌندّ اللَّهٌ الإسًلامٍ )

[آل عمران: 19] 

( ومّن يّبًتّغٌ غّيًرّ الإسًلامٌ دٌينْا فّلّن يٍقًبّلّ مٌنًهٍ وهٍوّ فٌي الآخٌرّةٌ مٌنّ الخّاسٌرٌينّ <85> )  [آل عمران: 85] .

فلا يليق بعد ذلك أن نفرغ البيت من مضمونه ومحتواه والمعنى الذي يرمز إليه. وقد نرى الفنادق الفاخرة والعمارات الشاهقة والسيارات الفارهة تُحيط بالبيت العتيق  ولا حرج في التوسعة والتلذذ بالمباحات والطيبات والتيسير على الحجيج  بل وكأن المشهد يدل على تعانق الماضي مع الحاضر  والالتزام بالدين والعودة إلى الماضي لا يمنع من التطور والتقدم والأخذ بأسباب القوة ( إنَّ هّذّا القٍرًآنّ يّهًدٌي لٌلَّتٌي هٌيّ أّقًوّمٍ ) [الإسراء:9].

 وهذا مفهوم  ولكن القادم إلى بيت الله الحرام يتلذذ أكثر بعبق الماضي  وما يستهويه الكتل الخرسانية الصماء التي يشاهدها في بلده وهنا وهناك  يُريد أن يرى واقعًا يتناسب مع عظمة الكعبة وقدسيتها  سلوكيات وتصرفات تتوافق مع ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  تدله على الله وتحثه على الالتزام بمنهجه سبحانه. يؤذيه أن تقع عينه على المتبرجات والممثلات في أفلام وتمثيليات التليفزيون  يضيق صدره بالتعاملات الربوية في البنوك  لا يطيق التمسح بحلق الحديد وأحجار وأستار الكعبة  لا يكاد يصدق نفسه عندما يجد الفظاظة والغلظة والجفاء في التعامل  وكأنه أتى متسولاً. ولم تعد مسألة الوصول للبيت العتيق قاصرة على الزاد والراحلة  بل تعقيدات وأمور نخشى أن تصل إلى حد الصد عن سبيل الله والتنفير من طاعة الله مما يدفع المرء لأن يتساءل أين الأخوة الإيمانية؟! وأين الإعانة على طاعة الله؟ وأين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! وأين شكر النعمة؟!... ويطول العجب وتتكدر اللذة  قال النووي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إنّ هذا الفرض قد ضُيع عبر أزمان متطاولة فل يبقَ منه إلاَّ اسمه ولا من الدين إلاَّ رسمه. والناس يفرقون بين أهل مكة وأهل المدينة  ويُثنون الخير كله على تعامل أهل المدينة. ورغم الصعوبات والمشاق إلاَّ أن الناس يحرصون على تذليلها والتغلب عليها للوصول لبيت الله الحرام  فهو أشد جذبًا للقلوب والنفوس من المغناطيس. لقد كان الناس على جاهليتهم عندهم بقية تعظيم للشهر الحرام والبيت الحرام  حتّى أن الرجل ليجد قاتل أبيه عند البيت العتيق فلا يهم بقتله  وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف بثياب عصينا الله فيها  وهذا من التعظيم بزعمهم. فلما قُتل عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام قامت قريش ولم تقعد.. تشهيرًا وتشنيعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه انتهك حرمة الأشهر الحرم فنزل قوله تعالى: ( يّسًأّلٍونّكّ عّنٌ الشَّهًرٌ الحّرّامٌ قٌتّالُ فٌيهٌ قٍلً قٌتّالِ فٌيهٌ كّبٌيرِ وصّدَ عّن سّبٌيلٌ اللَّهٌ وكٍفًرِ بٌهٌ والًمّسًجٌدٌ الحّرّامٌ وإخًرّاجٍ أّهًلٌهٌ مٌنًهٍ أّكًبّرٍ عٌندّ اللَّهٌ والًفٌتًنّةٍ أّكًبّرٍ مٌنّ القّتًلٌ ) [البقرة:217]. فوصفت الآيات قتل ابن الحضرمي - رغم كفره - وقتله خطئًا من البعض بأنه كبير. وأكبر من ذلك ما فعله أهل الجاهلية من الكفر والصد عن سبيل الله ومن جملة ذلك منعهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عام الحديبية من دخول الحرم  واضطرارهم الصحابة للهجرة مرتين إلى الحبشة  ومرة إلى المدينة  نحن بحاجة لتكثير سواد المطيعين المعظمين لشعائر الله ولحرمات الله. والإنسان لا يفرح بأنه كان يطوف وحده  وقد استطاع تقبيل الحجر الأسود مرات لخلو المطاف له  فالمسلم يحب لأخيه ما يحب لنفسه  وود لو أن الناس كل الناس أطاعوا الله فرحته أكثر عندما يمتلئ الحرم بالطائفين والعاكفين والركع السجود  وزحام المحبة والرحمة لا تضيق به الصدور المؤمنة  بل تحسن التعامل معه تخفيفًا وإرشادًا للحجيج واحتسابًا للأجر في وجود بعض المشقة المحتملة  فالحج جهاد  وقد أدمى الناس عمرو وهو يقبل الحجر. وقد حذر سبحانه من الصد عن سبيل الله وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت في أية ساعة من ليل ونهار»..  ومع ذلك فلن ندخر وسعًا في التيسير على الحجيج وتوضيح الرخص لهم  حتى يصطلح كل فريق على حقه  فلا نرضى أن يمـوت أحد بسبب الزحام وعـدم الرفق به. ولا يُمنع إنسان من بلوغ بيت الله الحرام  والتعلل بعد ذلك بكثرة الموتى في الحرم لا ينهض ذريعة للصد والتنفير  فالكثرة من الحجيج من كبار السن والمرضى  وهنيئًا لمن مات على طاعة؛ فالحاج يُبعث ملبيًا يوم القيامة. وقد يترك الإمام بعض الأمور المختارة للمصلحة الراجحة كما بوب الإمام البخاري مستدلاً بحديث أم المؤمنين عائشة و : «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولأقمتها على قواعد إبراهيم  ولجعلت لها بابًا يدخل منه الناس  وبابًا منه يخرجون» . فحجر إسماعيل من الكعبة  ومن نذر أن يُصلي بالكعبة يُجزئه أن يُصلي بالحجر  والذي منع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم من الإقدام على هذه المصلحة أن القوم حديثو عهد بجاهلية. فشرع الله مصلحة كله  ودرء المفاسد مُقدم على جلب المصالح  ولكن لابد من بذل الوسع  وإعانة الخلق ما استطعنا على بلوغ بيت الله الحرام  فالنعم تُحفظ بالطاعة وتزول بالمعصية. ولو استنطقت كل ذرة تراب وكل حبة رمل لذكرت الكثير من قصص البطولة والفداء  والبذل والتضحية في سبيل هذا الدين  فأمام الكعبة قام عقبة بن أبي معيط -أشقى القوم - بخنق النبيّ صلى الله عليه وسلم تارة  وبإلقاء سلا الجزور على ظهره الشريف تارة أخرى وهو ساجد أمام الكعبة  وحاول أبو جهل أن يخنق النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فما راع المشركون منه إلاَّ وهو يتراجع على عقبه القهقري  ولما سُئل قال: لقد رأيت دونه خندقًا  وهولاً  وأجنحة. وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لو دنا مني لاختطفته ملائكة العذاب». ثم كيد المشركين وتآمرهم لقتله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ( وإذً يّمًكٍرٍ بٌكّ الذٌينّ كّفّرٍوا لٌيٍثًبٌتٍوكّ أّوً يّقًتٍلٍوكّ أّوً يٍخًرٌجٍوكّ ويّمًكٍرٍونّ ويّمًكٍرٍ اللَّهٍ واللَّهٍ خّيًرٍ المّاكٌرٌينّ <30> )  [الأنفال: 30].

 مشاهد الأذى التي حدثت مع الصحابة كبلال  وياسر  وسمية  وعمار... ويمر شريط الذكريات  فما قام عبد و مقام ذل إلاَّ وأقامه الله مقام عز ( إنَّ الَّذٌي فّرّضّ عّلّيًكّ الًقٍرًآنّ لّرّادَكّ إلّى  مّعّادُ ) [القصص: 85].

 فها هو النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام يدخلون مكة عام الفتح  وها هو بلال يصعد على الكعبة ويصدح بالأذان ويُنادي بنداء التوحيد الذي طالما أصمّ المشركون قلوبهم قبل آذانهم عن سماعه  فقد أدخل الله عليهم الإسلام  وبلال العبد الحبشي طريد الأمس هو الذي يصعد على الكعبة ويُؤذن في أهلها. لقد رفع الله بهذا الدين أقوامًا ووضع به آخرين  ولا يجعل الله عبدًا سارع إليه كعبد أبطأ عنه  ومن بطأ به عمله لم يُسرع به نسبُه. وو في خلقه شئون  وما أعجب التدبير  لقد كان المهاجرون يأتون مكة لحج ونحوه  دون مكث أو إقامة؛ وذلك لأنهم تركوها لله فلم يحل لهم العودة فيما تركوه  وما ترك عبد شيئًا و فوجد فقده  وما ترك عبد شيئًا و إلاَّ عوّضه الله خيرًا منه. لقد كان المجيئ إلى البيت العتيق بداية تشمير وتوبة لكثير من الفنانين والممثلين  وسبب خير وبركة للخلق أجمعين  فالصلاة فيه بمئة ألف صلاة فيما سواه  وماء زمزم لما شُرب له. وإذا كان من لم يعاين ويشاهد تهفو نفسه بالحنين  فكيف بمن يُسر له المجيئ  وليس الخبر كالمعاينة  والنفس تموج بالذكريات والمشاهد والأحداث  وتودّ مجاورة البيت العتيق  تتذكر قول ربها: ( أّجّعّلًتٍمً سٌقّايّةّ الحّاجٌ وعٌمّارّةّ المّسًجٌدٌ الحّرّامٌ كّمّنً آمّنّ بٌاللَّهٌ والًيّوًمٌ الآخٌرٌ وجّاهّدّ فٌي سّبٌيلٌ اللَّهٌ لا يّسًتّوٍونّ عٌندّ اللَّهٌ ) [التوبة: 19] 

فتنهض تُلبي نداء الحق  فلكل مقام مقال.  ومجاورة الحرم له وقته فإذا داهم العدو الديار تعين جهاده ودفعه. فاللهم وفقنا بتوفيقك وارزقنا الشهادة في سبيلك والموت في بلد نبيك صلى الله عليه وسلم .

 

وآخر دعوانا أن الحمد و رب العالمين

لا يوجد بث مباشر الان
الاحتفال أو التهنئة برأس السنة الميلادية حكم الإحتفال برأس السنة الميلاديةعقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيمعنى الولاء والبراء..وإلى أين يتوجهان ؟ .. الشيخ الطريفيالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة