العلماء والدعاة    الشيخ سعيد عبد العظيم
التصنيف العام مواسم الخير
قصة أصحاب الفيل تذگرة لمن هدد بهدم الگعبة

قصة أصحاب الفيل تذگرة لمن هدد بهدم الگعبة

كتبه/ سعيد عبدالعظيم

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 أما بعد :

 فقد كثر التلويح والتهديد من أعداء الإسلام والمسلمين بهدم الكعبة المشرفة - حماها الله - وهذا ليس بمستغرب فهو قبلة المسلمين في شتى بقاع الأرض  ورمز وحدتهم  وكما أنَّ الإسلام مُستهدف  فكذلك أهل الإسلام مستهدفون في عقيدتهم وقبلتهم  وقرآنهم وديارهم قبل أن يُستهدفوا في بترولهم وثرواتهم وخيراتهم. وقف غلادستون  - وزير الخارجية البريطاني - في مجلس العموم يومًا  فقال: إنَّ العقبة الكئود أمام استقرارنا في مستعمراتنا ببلاد الإسلام هذا الكتاب  وهذا البيت. وكان قد أمسك بالمصحف بيد  وأشار بيده الأخرى إلى الكعبة. ومن قبل نقل القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم  وظل هناك قرابة اثنتين وعشرين سنة حتَّى رجع إلى مكانه. وقد حكى لنا الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه  ما يحدث للبيت العتيق من استحلال وهدم  وذلك قرب قيام الساعة  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُبايع لرجل ما بين الركن والمقام  ولن يستحل البيت إلاَّ أهله  فإذا استحلوه فلا يسأل عن هلكة العرب  ثم تأتي الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده أبدًا  وهم الذين يستخرجون كنزه» [رواه أحمد وصحح أحمد شاكر والألباني إسناده  وقال ابن كثير: إسناده جيد قوي]. وعن عبد الله بن عمر   قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرب الكعبة ذو السويقتين (تصغير الساق) من الحبشة ويسلبها حليتها ويجردها من كسوتها  ولكأنّي أنظر إليه أصيلع (انحسر الشعر عن رأسه) أفيدع (زيغ بين القدم وبين عظم الساق) يضرب عليها بمسحاته ومعوله» [رواه أحمد  وصحح أحمد شاكر إسناده]. وعن أبي هريرة   قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» [رواه أحمد والشيخان]. وعن ابن عباس   عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «كأني أنظر إليه أسود أفجع (تباعد ما بين الفخذين) ينقضها حجرًا حجرًا - يعني الكعبة - » [رواه أحمد والبخاري]  وخراب الكعبة يقع في آخر الزمان قرب قيام الساعة  حين لا يبقى في الأرض أحدٌ يقول الله الله.

ولا تعارض بين هذه الأحاديث وبين قوله تعالى: ( أّوّ لّمً يّرّوًا أّنَّا جّعّلًنّا حّرّمْا آمٌنْا ) [العنكبوت: 67]

فليس في الآية ما يدل على استمرار الأمن المذكور فيها  ولذلك قال النووي: آمنًا إلى قرب يوم القيامة وخراب الدنيا  ثم هو حرمٌ آمن ما لم يستحله أهله   وقد جاء في رواية الإمام أحمد: «أنه لا يستحل البيت الحرام إلاَّ أهله». ووقع ذلك كما أخبر النَّبيّ صلى الله عليه وسلم  وسيقع ذلك في آخر الزمان  ثم لا يعمر مرة أخرى  حين لا يبقى على ظهر الأرض مسلم. وقد ذكر فريق من العلماء أنَّ وصف الحرم بالأمن هو خطاب شرعي تكليفي للعباد أي فأمّنوه  فإذا تمرّد إنسان وانتهك حرمة الحرم  فقد يمنعه الله كما فعل بأبرهة عام الفيل  وقد لا يمنعه لحكمة يعلمها  كما سيفعل هذا الخبيث ذو السويقتين قرب قيام الساعة. فاستحلال البيت العتيق  وهدم الكعبة نذير دمار وهلاك لكل من قام به من العرب أو العجم  ولا أدلّ على ذلك من قصة أصحاب الفيل التي وردت في كتاب الله كما ورد ذكرها في كتب السيرة والتفسير. قال ابن كثير - رحمه الله - في «البداية والنهاية»

 ( أّلّمً تّرّ كّيًفّ فّعّلّ رّبَكّ بٌأّصًحّابٌ الفٌيلٌ (1) أّلّمً يّجًعّلً كّيًدّهٍمً فٌي تّضًلٌيلُ (2) وأّرًسّلّ عّلّيًهٌمً طّيًرْا أّبّابٌيلّ (3) تّرًمٌيهٌم بٌحٌجّارّةُ مٌن سٌجٌيلُ (4) فّجّعّلّهٍمً كّعّصًفُ مَّأًكٍولُ (5) ) [الفيل].

 قيل: أول من ذلل الفيلة إفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك  قاله الطبري  وهو أول من اتخذ للخيل السرج  وأما أول من سخر الخيل وركبها فطهمورث وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا  ويُقال إنَّ أول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام  ويُحتمل أنه أول من ركبها من العرب  والله تعالى أعلم. ويُقال إنَّ الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر  وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود  بإحضار سنانير إلى حومة الوغى  فنفرت الفيلة. قال ابن إسحاق: ثم إنَّ أبرهة بنى القليس بصنعاء كنيسة لم يرَ مثلها في زمانها بشيء من الأرض  وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لك كنيسة لم يبنِ مثلها لمك كان قبلك  ولست بمنتهٍ حتى أصرف إليها حج العرب. فذكر السهيلي أنَّ أبرهة استذلَّ أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة وسخرهم فيها أنواعًا من السخر  وكان من تأخر عن العمل حتّى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة  وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخامًا وأحجارًا وأمتعة عظيمة وركب فيها صلبانًا من ذهب وفضة. وجعل فيها منابر من عاج وأبنوس وجعل ارتفاعها عظيمًا جدًا  واتساعها باهرًا  فلما هلك بعد ذلك أبرهة  وتفرقت الحبشة كان من يتعرض لأخذ شيء من بنائها وأمتعتها أصابته الجن بسوء؛ وذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين - كعيب وامرأته - وكان طول كل منهما ستون ذراعًا  فتركها أهل اليمن على حالها  فلم تزل كذلك إلى زمن السفَّاح أول خلفاء بني العباس  فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم  فنقضوها حجرًا حجرًا ودرست آثارها إلى يومنا هذا. قال ابن إسحاق: فلما تحدَّثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة الذين ينسئون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله: ( إنَّمّا النَّسٌيءٍ زٌيّادّةِ فٌي الكٍفًرٌ ) [التوبة: 37]  قال ابن إسحاق: فخرج الكناني حتَّى أتى القليس  فقعد فيه أي أحدث حيث لا يراه أحد  ثم خرج فلحق بأرضه  فأخبر أبرهة بذلك  فقال: من صنع هذا؟ فقيل له: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك أنك تُريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا  فغضب  فجاء فقعد فيها  أي أنه ليس لذلك بأهل. فغضب أبرهة عند ذلك وحلف ليسيرنَّ إلى البيت حتَّى يهدمه  ثم أمـر الحبشة فتهيأت وتجهّزت  ثم سار وخرج معه بالفيل  وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به  ورأوا جهـاده حقًا عليهم حين سمـعـوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام  فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يُقال له ذو نفر  فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام  وما يريده من هدمه وإخرابه  فأجابه من أجابه إلى ذلك  ثم عرض له فقاتله  فهزم ذو نفر وأصحابه  وأخذ له ذو نفر  فأتى به أسيرًا  فلما أراد قتله قال له ذو نفر: يا أيها الملك  لا تقتلني  فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرًا لك من القتل  فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق  وكان أبرهة رجلاً حليمًا. ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتَّى إذا كان بأرض خثعم  عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم  وهما شهران وناهس  ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله  فهزمه أبرهة  وأخذ له نفيل أسيرًا  فأتى به  فلما همَّ بقتله  قال له نفيل: أيها الملك لا تقتلني  فإني دليلك بأرض العرب  وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم - شهران وناهس - بالسمع والطاعة  فخلَّى سبيله  وخرج به معه يدله. حتى إذا مرَّ بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف  فقالوا له: أيها الملك  إنما نحن عبيدك سامعون لك  مُطيعون  ليس عندنا لك خلاف  وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد - يعنون اللات - إنما تريد البيت الذي بمكة  ونحن نبعث معك من يدلك عليه  فتجاوز عنهم. قال ابن إسحاق: واللات بيت لهم بالطائف كانوا يُعظمونه   نحو تعظيم الكعبة  قال: فبعثوا معه أبارغال يدله على الطريق إلى مكة  فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتَّى أنزله بالمغمس  فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك  فرجمت قبره العرب  فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس  وقد تقدَّم في قصة ثمود أنَّ أبا رغال كان رجلاً منه  وكان يمتنع بالحرم  فلما خرج منه أصابه حجر فقتله  وأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «وآية ذلك أنه دُفن معه غصنان من ذهب» فحفروا فوجدوهما   قال وهو أبو ثقيف. قلت: والجمع بين هذا وبين ما ذكر ابن إسحاق أنّ أبا رغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى  ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضًا  والله أعلم. وقد قال جرير:   الظاهر أنه الثاني. قال ابن إسحاق: فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلاً من الحبشة يُقال له الأسود بن مفصود على خيل له حتَّى انتهى إلى مكة  فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم   وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب ابن هاشم - وهو يومئذ كبير قريش وسيدها - فهمّت قريش وكنانة وهذيل  ومن كان بذلك الحرم بقتاله  ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به  فتركوا ذلك  وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة  وقال له: سلْ عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم  ثم قل له: إنَّ الملك يقول إني لم آتِ لحربكم إنما جئتُ لهدم هذا البيت  فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب  فلا حاجة لي بدمائكم  فإن هو لم يرد حربي فائتني به. فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها  فقيل له عبد المطلب بن هاشم  فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة  فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه  وما لنا بذلك من طاقة  هذا بيت الله الحرام  وبيت خليله إبراهيم   - أو كما قال - فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته  وإن يخلِّ بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: فانطلق معي إليه  فإنه قد أمرني أن آتيه بك. فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه  حتَّى أتى العسكر  فسأل عن ذي نفر  وكان له صديقًا - حتَّى دخل عليه وهو في محبسه  فقال له: يا ذا نفر  هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفر: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوًا أوعشيًا؟ ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلاَّ أنَّ أنيسًا سائس الفيل صديق لي  فسأُرسل إليه وأوصيه بك  وأعظم عليه حقك  وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك  و يشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك  فقال: حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس  فقال له: إنَّ عبد المطلب سيد قريش وصاحب عين مكة يُطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال  وقد أصاب له الملك مائتي بعير  فاستأذن له عليه وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل. فكلم أنيس أبرهة  فقال له: أيها الملك  هذا سيد قريش ببابك  يستأذن عليك  وهو صاحب عين مكة  وهو الذي يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال  فائذن له عليك فليكلمك في حاجته. فأذن له أبرهة. قال: وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم  فلما رآه أبرهة أجلَّه وأكرمه عن أن يُجلسه تحته  وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه  فنزل أبرهة عن سريره  فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه  ثم قال لترجمانه  قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان  فقال: حاجتي أن يرد عليَّ الملك مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك  ثم قد زهدت فيك حين كلَّمتني  أتُكلمني في مائتي بعير أصبتها لك  وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك  قد جئتُ لأهدمه  لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل  وإنَّ للبيت ربًا سيمنعه  فقال: ما كان ليمتنع مني. قال: أنت وذاك. فردَّ على عبد المطلب إبله. قال ابن إسحاق: ويُقال إنه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر ابن عبد مناة بن كنانة سيد بني بكر  وخويلد بن واثلة سيد هذيل  فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليه ذلك  فالله أعلم أكان ذلك أم لا. فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر  وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رؤوس الجبال  ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة  وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده.  وقال عبد المطلب - وهو آخذ بحلقة باب الكعبة -:     قال ابن هشام : هذا ما صح له منها. وقال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة   وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال  يتحرزون فيها  ينتظرون ما أبرهة فاعل. فلما أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكة  و هيّأ فيله وعبى جيشه  وكان اسم الفيل محمودًا  فلمّا وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب  حتَّى قام إلى جنب الفيل  ثم أخذ بأذنه فقال: أبرك محمود  وارجع راشدًا من حيث أتيت؛ فإنك في بلد الله الحرام. وأرسل أُذُنَه  فبرك الفيل. قال السهيلي: أي سقط إلى الأرض  وليس من شأن الفيلة أن تبرك  وقد قيل: إنَّ منها ما يبرك كالبعير  والله أعلم. وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل  وضربوا الفيل؛ ليقوم فأبى  فضربوا رأسه بالطبر زين ليقوم  فأبى  فأدخلو محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى  فوجّهوه راجعًا إلى اليمن  فقام يهرول  ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك  ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك  ووجهوه إلى مكة فبرك. وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان  مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها  حجر في منقاره  وحجران في رجليه  أمثال الحمص والعدس  لا تُصيب منهم أحدًا إلاَّ هلك  وليس كلهم أصابت  وخرجوا هاربين  يبتدرون الطريق التي منها جاءوا  ويسألون عن نفيل بن حبيب؛ ليدلّهم على الطريق إلى اليمن  فقال نفيل في ذلك:       قال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل  وأُصيب أبرهة في جسده  وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة  كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة تمت قيحًا ودمًا حتَّى قدموا به صنعاء  و هو مثل فرخ الطائر  فما مات حتَّى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون. قال ابن إسحاق: حدَّثني يعقوب بن عتبة: أنه حدث أنَّ أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام  وأنه أول ما رؤي بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام. قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله ما ردَّ عنهم من أمر الحبشة؛ لبقاء أمرهم ومدتهم  فقال تعالى: ( أّلّمً تّرّ كّيًفّ فّعّلّ رّبَكّ بٌأّصًحّابٌ الفٌيلٌ (1) أّلّمً يّجًعّلً كّيًدّهٍمً فٌي تّضًلٌيلُ (2) وأّرًسّلّ عّلّيًهٌمً طّيًرْا أّبّابٌيلّ (3) تّرًمٌيهٌم بٌحٌجّارّةُ مٌن سٌجٌيلُ (4) فّجّعّلّهٍمً كّعّصًفُ مَّأًكٍولُ (5) ). ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتي بعدها  وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى  وله الحمد والمنة. قال ابن هشام : الأبابيل  الجماعات  ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه  قال: وأمَّا السجِّيل فأخبرني يونس النحوي  وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب  قال: وزعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية  جعلتهما العرب كلمة واحدة وأنها سنج وجل  فالسنج الحجر والجل الطين. يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين  قال: و العصف ورق الزرع الذي لم يقصب.  وقال الكسائي: سمعت بعض النحويين  يقول: واحد الأبابيل أبيل  وقال كثيرون من السلف الأبابيل الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضًا من ههنا وههنا. وعن ابن عباس   كان لها خراطيم كخراطيم الطير  وأكف كأكف الكلاب. وعن عكرمة كانت رؤوسها كرؤوس السباع  خرجت عليهم من البحر وكانت خضرًا. وقال عبيد بن عمير: كانت سودًا بحرية  في مناقيرها وأكفها الحجارة. وعن ابن عباس   كانت أشكالها كعنقاء مغرب  وعن ابن عباس : كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان  ومنها ما هو كالإبل  وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق  وقيل : كانت صغارًا  والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة  حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي شيبة  حدَّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان  عن عبيد بن عمير قال: لما أراد الله أن يُهلك أصحاب الفيل  بعث عليهم طيرًا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار  حجرين في رجليه  وحجرًا في منقاره  قال: فجاءت حتَّى صفت على رؤوسهم  ثم صاحت وألقت ما في رجليها ومناقيرها  فما يقع حجر على رأس رجل إلاَّ خرج من دُبره  ولا يقع على شيء من جسده إلاَّ خرج من الجانب الآخر  وبعث الله ريحًا شديدة  فضربت الحجارة  فزادتها شدة  فأُهلكوا جميعًا. وقد تقدَّم أنَّ ابن إسحاق قال: وليس كلهم أصابته الحجارة  يعني : بل رجع منهم راجعون إلى اليمن  حتَّى أخبروا أهلهم بما حلَّ بقومهم من النكال  وذكروا أنَّ أبرهة رجع وهو يتساقط أنملة أنملة  فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره  فمات - لعنه الله - . وروى ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن سمرة عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان  وتقدم أنَّ سائس الفيل كان اسمه أنيسًا  فأما قائده فلم يسمَّ  والله أعلم. وذكر النقاش في تفسيره أنَّ السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر  قال السهيلي  وكانت قصة الفيل أول المحرم من سنة ستٍ وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين. قلتُ: وفي عامها وُلد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهور  وقيل كان قبل مولده بسنين كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة.

ثم ذكر ابن إسحاق ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر الله فيها بيته الحرام الذي يريد أن يشرفه ويعظمه ويطهره ويوقره ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم  وما يشرع له من الدين القويم الذي أحد أركانه الصلاة  بل عماد دينه  وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة  ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذْ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة؛ فإنَّ الحبشة إذْ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش  وإنما كان النصر للبيت الحرام  وإرهاصًا وتوطئة لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم  فمن ذلك ما قاله عبد الله بن الزبعري السهمي   ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت الأنصاري المدني: ومن ذلك قول أبي الصلت ربيعة بن أبي ربيعة وهب بن علاج الثقفي  قال ابن هشام ويروى لأمية بن أبي الصلت: ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت أيضًا: ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء:    قال ابن إسحاق وغيره  فلما هلك أبرهة  ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم  ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة وهو آخر ملوكهم  وهو الذي انتزع سيف بن ذي يزن الحميري الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان. وكانت قصة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين  وهو الثاني اسكندر(1) ابن فلبس المقدوني الذي يؤرخ له الروم  ولما هلك أبرهة وابناه وزال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الذي كان بناه أبرهة و أراد صرف حج العرب إليه؛ لجهله وقلّة عقله  وأصبح يبابا لا أنيس به  وكان قد بناه على صنمين  وهما كعيب وامرأته  وكانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعًا في السماء  وكانا مصحوبين من الجان؛ ولهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شيء من بناء القليس وأمتعته إلاَّ أصابوه بسوء  فلم يزل كذلك إلى أيام السفّاح أول خلفاء بني العباس  فذكر له أمره  وما فيه من الأمتعة والرخام الذي كان أبرهة نقله إليه من صرح بلقيس الذي كان باليمن  فبعث إليه من خرَّبه حجرًا حجرًا   وأخذ جميع ما فيه من الأمتعة والحواصل  هكذا ذكره السهيلي  والله أعلم».  قال القرطبي: «قال علماؤنا: كانت قصة الفيل فيما بعدُ من معجزات النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وإن كانت قبله وقبل التحدّي؛ لأنها كانت توكيدًا لأمره  وتمهيدًا لشأنه  ولما تلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة  كان بمكة عدد كثير ممن شهد تلك الوقعة  ولهذا قال: ( أّلّمً تّرّ )   ولم يكن بمكة أحد إلاَّ وقد رأى قائد الفيل  وسائقه أعميين يتكفّفان الناس. وقالت عائشة و مع حداثة سنها: لقد رأيت قائد الفيل وسائقه أعميين يستطعمان الناس. وقال أبو صالح : رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوًا من قفيزين من تلك الحجارة سودًا مخططة بحمرة. قوله تعالى: ( أّلّمً يّجًعّلً كّيًدّهٍمً فٌي تّضًلٌيلُ ) أي في إبطال وتضييع؛ لأنهم أرادوا أن يكيدوا قريشًا بالقتل والسبي  والبيت بالتخريب والهدم  فحكي عن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله على فرس له  ينظر ما لَقوا من تلك الطير  فإذا القوم مُشَدّخين جميعًا  فرجع يركض فرسه كاشفًا عن فخذه  فلما رأى ذلك أبوه قال: إنَّ ابني هذا أفرس العرب  وما كشف عن فخذه إلاَّ بشيرًا أو نذيرًا  فلما دنا من ناديهم بحيث يُسمعهم الصوت  قالوا: ما وراءك؟ قال: هلكوا جميعًا. فخرج عبد المطلب وأصحابه فأخذوا أموالهم. وكانت أموال بني عبد المطلب منها  و بها تكاملت رياسة عبد المطلب؛ لأنه احتمل ما شاء من صفراء وبيضاء  ثم خرج أهل مكة بعده فنهبوا. وقيل: إنَّ عبد المطلب حفر حفرتين فملأهما من الذهب والجوهر  ثم قال لأبي مسعود الثقفيّ - وكان خليلاً لعبد المطلب - : اختر أيهما شئت. ثم أصاب الناس من أموالهم حتَّى ضاقوا ذَرْعًا فقال عبد المطلب عند ذلك:     قال ابن إسحاق: ولما ردَّ الله الحبشة عن مكّة عظَّمت العربُ قريشًا وقالوا: هم أهل الله قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونة عدوّهم  وقال عبد الله بن عمرو بن مخزوم في قصة أصحاب الفيل:    والمكركس: المنكوس المطروح. قوله تعالى: ( وأّرًسّلّ عّلّيًهٌمً طّيًرْا أّبّابٌيلّ )  قال سعيد بن جُبير: كانت طيرًا من السماء لم يُرَ قبلها ولا بعدها مثلُها  وروى جُويْبر عن الضحاك عن ابن عباس   قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنها طيرٌ بين السماء والأرض تُعَشِّش وتُفرخ»   وعن ابن عباس : كانت لها خراطيم كخراطيم الطير  وأكف كأكف الكلاب. وقال عكرمة : كانت طيرًا خضراء  خرجت من البحر  لها رؤوس كرؤوس السباع  ولم تُرَ قبل ذلك ولا بعده  وقالت عائشة و : هي أشبه شيء بالخطاطيف. قوله تعالى: ( تّرًمٌيهٌم بٌحٌجّارّةُ مٌن سٌجٌيلُ )  في الصحاح: ( بٌحٌجّارّةُ مٌن سٌجٌيلُ ) قالوا: حجارة من طين طُبخت بنار جهنَّم  مكتوب فيها أسماء القوم؛ لقوله تعالى: ( لٌنٍرًسٌلّ عّلّيًهٌمً حٌجّارّةْ مٌن طٌينُ <33> مٍسّوَّمّةْ )  [الذاريات: 33  34]

 وقال عبد الرحمن بن أبزي: ( مٌن سٌجٌيلُ ) من السماء  وهي الحجارة التي نزلت على قوم لوط. وقيل من الجحيم   وهي سجين. ( مٌن سٌجٌيلُ )  أي مما كُتب عليهم أن يُعذَّبوا به؛ مُشتق من السجل  قال عكرمة: كانت ترميهم بحجارة معها  فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجُدَريّ لم يُرَ قبل ذلك اليوم  وكان الحجر كالحمّصة وفوق العَدَسة  وقال ابن عباس  : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نَفِطَ جلده  فكان ذلك أول الجُدَريّ (1) » . إنَّ سورة الفيل سورة مكيّة بإجماع العلماء  وهي عبارة عن خمس آيات  والخطاب فيها وإن توجّه للنبيّ صلى الله عليه وسلم  لكنه عام  أي: ألم تروا ما فعلتُ بأصحاب الفيل  أي لقد رأيتم ذلك وعرفتم موضع منَّتي عليكم  فما لكم لا تؤمنون  وفيها تهديد ووعيد لكل من أراد بيته الحرام بسوء  فلا تسلْ عن هلكته  إذْ الرب قديرٌ  ولا يسعنا إلاَّ أن نُردد قول ربنا: ( وقٍل لٌلَّذٌينّ لا يٍؤًمٌنٍونّ عًمّلٍوا عّلّى  مّكّانّتٌكٍمً إنَّا عّامٌلٍونّ <121> وانتّظٌرٍوا إنَّا مٍنتّظٌرٍونّ <122> ولٌلَّهٌ غّيًبٍ السَّمّوّاتٌ والأّرًضٌ وإلّيًهٌ يٍرًجّعٍ الأّمًرٍ كٍلَهٍ فّاعًبٍدًهٍ وتّوّكَّلً عّلّيًهٌ ومّا رّبَكّ بٌغّافٌلُ عّمَّا تّعًمّلٍونّ<123> ) [هود: 121 - 123].

 

وآخر دعوانا أن الحمد و رب العالمين.

لا يوجد بث مباشر الان
فضائل شهر شعبان المبارك-الشيخ حازم ابو اسماعيلبرنامج شهر شعبان _ محمد حسين يعقوبحكم الاحتفال بشم النسيم - الشيخ كشك رحمه اللهكيف نستعد من رجب و شعبان - لرمضان الاحتفال أو التهنئة برأس السنة الميلادية حكم الإحتفال برأس السنة الميلاديةعقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيمعنى الولاء والبراء..وإلى أين يتوجهان ؟ .. الشيخ الطريفيالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة