العلماء والدعاة    الشيخ منوع
التصنيف العام بحوث ودراســات
تاريخ نشر السنة

بسم الله الرحمن الرحيم

- حدثنا ابن وهب قال : كنت عند مالك بن أنس فجاءت صلاة الظهر أو العصر وأنا اقرأ عليه ، وأنظر في العلم بين يديه ، فجمعت كتبي وقمت لأركع ، فقال لي مالك : ما هذا ؟ قلت : أقوم للصلاة . قال : إن هذا لعجب ، فما الذي قمت إليه بأفضل من الذي كنت فيه ؛ إذا صحت النية فيه .

قال الشافعي : طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة و قال سفيان الثوري : ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت النية و قال أبو الدرداء : الدنيا ملعونة ، وملعون ما فيها إلا ذكر الله وما آوى إليه ، والعالم والمتعلم في الخير شريكان ، وسائر الناس همج لا خير فيهم و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها إلا ذكر الله ، وما والاه ، أو معلم أو متعلم" .

-و عن زر بن حبيش قال : أتيت صفوان بن عسال فقال : ما جاء بك ؟ قال : قلت : طلب العلم . قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب" .

- قال أبو الدرداء إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما من عبد يخرج يطلب علماً إلا وضعت له الملائكة أجنحتها ، وسلك به طريق إلى الجنة ، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، إن العلماء هم ورثة الأنبياء ، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ، ولكنهم ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" .

- عن أبي إمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله وملائكته ، وأهل السموات والأرض ، حتى النملة في حجرها ، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير" .

- قال الحسن البصري : الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء .

- يقال : مثل العلماء مثل الماء حيث ما سقطوا نفعوا .

وقال أبو الأسود الدؤلي : الملوك حكام على الناس ، والعلماء حكام على الملوك ولولا العلم كان الناس كالبهائم

- قيل لابن المبارك : إلى متى تطلب العلم ؟ قال : حتى الممات لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد .

قال ابن منازر : سألت أبا عمرو بن العلاء : حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم ؟ فقال : ما دام تحسن به الحياة.

- سئل سفيان بن عينيه : من أحوج الناس إلى طلب العلم ؟ قال : أعلمهم ، إن الخطأ منه أقبح .

- ذكر مانزل بربيعة من الفقر في طلب العلم حتى باع خشب سقف بيته في طلب العلم ، وحتى كان يأكل ما يلقى على مزابل المدينة من الزبيب وعصارة التمر .

- وروينا عن الأوزاعي – رحمه الله – قال : شكت النواويس إلى الله تعالى ما تجد من نتن جيف الكفار ، فأوحى الله إليها : بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه .

- وروي أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام . يا داود لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي ، فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين ، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة المناجاة من قلوبهم .

قال ابن عون : كنت عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم : لا أحسنه ، فجعل الرجل يقول : إني دفعت إليك لا أعرف غيرك ، فقال القاسم : لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي ، والله ما أحسنه ، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه : يا ابن أخي الزمها فو الله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم . فقال القاسم : والله لأن يقطع لساني أحب إليّ من أن أتكلم بما لا علم لي به .

- قال عبد الرحمن بن مهدي : كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الله جئتك من مسيرة ستة أشهر ، حملني أهل بلدي مسألة أسألك عنها ، قال : فسل . فسأله الرجل عن مسألة قال : لا أحسنها . قال : فبهت الرجل كأنه قد جاء إلى من يعلم كل شيء . قال : فقال : فأي شيء أقول لأهل بلدتي إذا رجعت لهم ؟ قال : تقول لهم : قال مالك : لا أحسن .

قال ابن عباس : حدثنا أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أن موسى عليه السلام قام في بني إسرائيل خطيباً ، فسُئل أي الناس أعلم ؟ فقال : "أنا" . فعتب الله عليه حيث لم يرد العلم إليه ، فقال : "عبدٌ لي عند مجمع البحرين هو أعلم منك" قال : "أي رب فكيف به ؟"

قال قتادة : لو كان أحد يكتفي من العلم بشيء لاكتفى موسى عليه السلام ، ولكنه قال : هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا .

- حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب : أن جابر بن عبد الله حدثه قال : بلغني عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه ، قال فابتعت بعيراً ، فشددت عليه رحلي ، فسرت إليه شهراً حتى أتيت الشام ، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري فأرسلت إليه أن جابراً على الباب قال فرجع إلى الرسول فقال : جابر بن عبد الله ؟ . فقلت : نعم فرجع الرسول إليه فخرج إليَّ فاعتنقني واعتنقته قلت : حديث بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه ، فخشيت أن أموت أو تموت قبل أن أسمعه ! .

فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"يحشر الله العباد ، أو قال : يحشر الله الناس قال وأومأ بيده إلى الشام – عُراةً غُرْلاً بُهْماً" .قلت : ما بُهما ؟ . قال : ليس معهم شيء! .

قال : فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : "أنا الملك أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمظلمةٍ ، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار يدخل النار وأحدُ من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة" قال : قلنا : كيف هو ، وإنما نأتي الله تعالى عُراةً غُرْلاً بُهْماً ؟!" .

قال : بالحسنات والسيئات" .

خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصاري ؛ وهو أمير مصر ، فأُخبر به ، فعجل فخرج إليه فعانقه ، وقال : "ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ ".

قال : "حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغير عقبة ، فابعث من يدلني على منزله ، قال فبعث معه من يدله على منزل عقبة ، فأخبر عقبة به ، فعجل فخرج إليه ، فعانقه وقال : "ما جاء بك يا أبا أيوب ؟" .

فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك في ستر المؤمن .

قال : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من ستر مؤمنا في الدنيا على خُرْبَةٍ ستره الله يوم القيامة .

فقال له أبو أيوب : "صدقت" ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة ، فما أدركته جائزة مسلمة ابن مخلد إلا بعريش مصر .

وعن الحسن ، قال : كان لرجل يطلب العلم ، فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه ، وهديه ، ولسانه ، وبصره ، ويده .

وكان ابن عُيينة يقول : كان الشابُّ إذا وقع في الحديث احتسبه أهله .

 

وكان شعبة يقول : كنت آتي قتادة ، فأسأله عن حديثين ، فيحدثني ، ثم يقول : أزيدك ؟ فأقول : لا ، حتى أحفظهما وأتقنهما .

قال : سمعت معمراً يقول : من طلب الحديث جملةً ذهب منه جملةً ، إنما كنا نطلب حديثاً وحديثين .

قال الزهري : إن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة له غلبك ، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذاً رفيقاً تظفر به .

وقال العياضي الفقيه السمرقندي : لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه ، وخرب بستانه ، وهجر إخوانه ، ومات أقرب أهله إليه ، فلم يشهد جنازته .

وقيل لعبد الله بن المبارك : يا أبا عبد الرحمن ! تكثر القعود في البيت وحدك ؟ قال : ليس أنا وحدي ، أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ننهم ؛ يعني : النظر في الكتب .

 

أنزل الله سبحانه وتعالى كتابه الحكيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجاً وهداية ومعجزة ، وأعطاه السنة الشريفة مفصلة للكتاب وشارحة له ؛ تفصل الأحكام المجملة الواردة فيه ، وتقيد المُطلق ، وتخصص العام ، وتقرر الأحكام التي لم ينص عليها . قال تعالى : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون } وقال سبحانه : { وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } وقال عز وجل : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعملوا أنما على رسولنا البلاغ المبين } وقال تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحَكِّمُوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } ، وقال تعالى : { فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنةٌ أو يُصيبهم عذابٌ أليمٌ } ، وقال تعالى : { وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً }وقال الله تبارك وتعالى }وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} وقال الله عزوجل{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ،

قال ميمون بن مهران: الرد إلى الله : كتاب الله ، والرد إلى رسوله إذا كان حياً ، فلما قبضه الله فالرد إلى سنته ،وقد أمر الله عز وجل بطاعته وإتباعه أمراً مطلقاً مجملاً لم يقيد بشيء ولم يقل وما وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ .

قال عبد الرحمن بن مهدي : الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحدث . يعني ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ما آتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله ، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته ، وإن خالف كتاب الله فلم أقله أنا ، وكيف أخالف كتاب الله وبه هداني الله ؟".

وهذه الألفاظ لا تصح عنه صلى الله عليه وسلم : عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه .

وقد عارض هذا الحديث قوم من أهل العلم فقالوا : نحن نعرض هذا الحديث على كتاب الله قبل كل شيء ونعتمد على ذلك ، وقالوا : فلما عرضناه على كتاب الله عز وجل وجدناه مخالفاً لكتاب الله ، لأنا لم نجد في كتاب الله ألا نقبل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله ، بل وجدنا كتاب الله يطلق التأسي به ، والأمر بطاعته ، ويحذر المخالفة عن أمره جملة على كل حال .

والآيات في وجوب متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم والعمل بالحديث النبوي كثيرة قاطعة صريحة في ذلك كماحذر النبى صلى الله عليه وسلم من رد أحاديثه بزعم أن ما فيها ليس فى القرآن

فعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يوشك بأحدكم يقول : هذا كتاب الله ، ما كان فيه من حلال أحللناه ، وما كان فيه حرام حرمناه ، ألا من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب الله ورسوله والذي حدثه" .

و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يوشك رجل منكم متكئاً على أريكته يحدث بحديث عني فيقول : بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه ، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي حرم الله عز وجل" .

وعن ابن عباس قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : عروة : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عباس ، ما يقول عروة ؟ قال : يقول : نهى أبو بكر عن المتعة ، فقال: أراهم سيهلكون ، أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : قال أبو بكر وعمر! .

 

 

والواقع أنه كان لابد من حفظ السُّنَّة المشرفة المصدر الثاني للتشريع ، فإن حِفظ السنة حِفظٌ للكتاب الكريم ، وقد تولى الله سبحانه وتعالى حفظ كتابه : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ، فكان حِفْظُ السُّنّة موعُوداً به في ضمن حفظ الكتاب .قال الإمام الحافظ أبو محمد ابن حزم : ( والذِّكْرُ اسمٌ واقعٌ على كل ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سُنّة وحي يبين بها القرآن . وأيضاً فإن الله تعالى يقول : { وأنزلنا إليك الذكر لتُبين للناس ما نُزِّل إليهم } ؛ فصحَّ أنه عليه السلام مأمورٌ ببيان القرآن للناس ، وفي القرآن مُجْمَلٌ كثيرٌ كالصلاة والزكاة والحج ، وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه ، لكن ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا كان بيانُه عليه السلام لذلك المُجمل غير محفوظٍ ولا مضمونٍ سلامتُه مما ليس منه ؛ فقد بطل الانتفاع بنص القرآن ، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه ، فإذاً لم ندرِ صحيح مُراد الله تعالى منها )

والبيان منه على ضربين : المجمل في الكتاب : كبيانه للصلوات الخمس في مواقيتها وسجودها وركوعها وسائر أحكامها ، وكبيانه لمقدار الزكاة ووقتها وما الذي يؤخذ منه من الاموال ، وبيانه لمناسك الحج لأن القرآن إنما ورد بجملة فرض الصلاة والزكاة والحج والجهاد دون تفصيل ذلك .

وبيان آخر : وهو زيادة على حكم الكتاب كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، وكتحريم الخمر الأهلية ، وكل ذي ناب من السباع ، إلى أشياء يطول ذكرها .

عن عمران بن حصين : أنه قال رجل : إنك امرؤ أحمق ، أتجد في كتاب الله الظهر أربعاً ، لا تجهر فيها بالقراءة ؟ إن كتاب الله أبهم هذا ، وإن السنة تفسر ذلك

قال عبد الله بن مسعود : (لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والمتنمصات ، والمتفلجات ، للحسن المغيرات خلف الله . قال : فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها : أم يعقوب ، فقالت : يا أبا عبد الرحمن بلغني أنك لعنت كيت وكيت ، فقال : وما لا لي ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هو في كتاب الله ؟ قالت : إني لأقرأ ما بين اللوحين فلم أجده ، قال : إن كنت قارئة لقد وجدتيه ، أما قرأت {وما آتاكم الرسول فخذوه * وما نهاكم عنه فانتهوا} ؟ قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت : إني لأظن أهلك يفعلون بعض ذلك ، قال : فاذهبي فانظري ، قال : فدخلت فلم تر شيئاً ، قال : فقال عبد الله ، لو كانت كذلك لم نجامعها .

لذا اهتم الصحابة والتابعون ومن تلاهم بحفظ الأحاديث النبوية ، وأودعوها حوافظهم الفذة ، وبذلوا في ذلك أعظم الجهد ، وتناقلوها جيلاً بعد جيل ، فرووا أحاديث الوضوء ، والطهارة ، والصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، والنكاح ، والطلاق ، والبيوع ، والجهاد ، والإمارة ، والحدود ، والقضاء ، والأطعمة ، والأشربة ، واللباس ، والزينة ، والآداب ، والزهد ، والرقائق ، والفتن والملاحم ، وعلامات الساعة ، وصفة البعث والجنة والنار ، والبر والصلة ، والفضائل ، والقَدَر ، والتوبة ، والتوحيد ، والاعتصام بالسنة ، والحِيَل ، والأيمان والنذور ، والفرائض ، والشمائل النبوية الشريفة ، وتفاصيل أحواله صلى الله عليه وسلم : من أكله وشربه ، ومنامه ويقظته ، وقيامه وقعوده ، وصمته وكلامه ، وهَديه في شؤونه الخاصة والعامة ، وغير ذلك .

وكانت الحلقة الأولى في سلسلة الإسناد الشريف بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم الصحابة الذي رووا عن المعصوم صلى الله عليه وسلم مشافهة ، أو أخذ بعضهم عن بعض ، وعددهم كثير جداً ، قال الحافظ ابن صلاح : (روينا عن أبي زُرعة أنه قيل له : أليس يقال : حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث ؟ قال : ومن قال ذا قَلُقَل الله أنيابه ؟! هذا قول الزنادقة ، ومن يُحصي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مئة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ، ممن روى عنه وسمع منه ، وفي رواية : ممن رآه وسمع منه . فقيل له : يا أبا زُرعة ، هؤلاء أين كانوا ، وأين سمعوا منه ؟ قال : أهل المدينة ، وأهل مكة ، ومن بينهما ، والأعراب ، ومن شهد معه حجة الوداع ، كلٌ رآهُ وسمع منه بعرفة ) .

وذكر الذهبي أن عدد الصحابة الذين رووا الحديث نحو ألف وخمس مئة نفس .

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وامتداد الفتوحات الإسلامية المظفرة ؛ تفرَّق الصحابة في الأمصار : في مكة ، والمدينة ، والطائف ، والشام ، والكوفة ، والبصرة ، وواسط ، والمدائن ، والجزيرة ، ومصر ، واليمن ، وخُراسان ، وأصبهان ، وغيرها ، وقام الصحابة بنشر ما حفظوه من الكَلِم النبوي ، فأقبل عليهم أئمة الحديث وفرسان الرواية من التابعين ، فأخذوا عنهم الأثر الشريف ، وأودعوه قلوبهم .

ومع اتساع رقعة دولة الإسلام ، وانبساط سُلطانه ، ودخول الناس فيه أفواجاً ، وفيهم من لم تنصهر نفسه بتعاليم الدين القويم ، ولم تزك بما جاء فيه من آدابٍ عالية وتوجيهات غالية ، ثم الفتنة العمياء التي انتهت بقتل الشهيدين عثمان وعلي رضي الله عنهما ، وما نَجَمَ عن ذلك من خلافات وحروب ودماء ، أضف إليها نبوغ فِرقٍ ومذاهب سياسية وكلامية كثيرة ؛ كل هذا كان له أثرٌ كبير على صفاء الحديث النبوي وبقائه على روايته ، مما أدى إلى ظهور الأحاديث الموضوعة ، قال محمد بن سيرين : كانوا لا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا : سموا رجالكم ، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ عنهم .

ويمكن الإشارة إلى الذين ساهموا في اختلاقها وانتشارها بما يلي :

1- الخلافات السياسية : ويتمثل ذلك بما وضعته الرافضة من أحاديث في فضل علي والطعن وعلى معاوية ، وما وضعه خصومهم في فضل أبي بكر وعُمر وعثمان ومعاوية ، رداً عليهم . وبما وضعه مُحبُّو الأمويين ، ومحبو العباسيين .

2- الفرق الكلامية : كالقدرية ، والمُرجئة ، والجهمية ، والمُشبهة الممثلة .

3- الزنادقة .

4- العصبية للجنس ، والقبيلة ، واللغة ، والبلد ، والإمام .

5- القصاصون .

6- جهلة الصالحين ممن يضع الحديث للترغيب والترهيب .

7- المتملقون للملوك والمُتَزلِّفون إليهم . وغير هؤلاء .

- حدثنا ابن لهيعة ، قال : سمعت شيخاً من الخوارج تاب ورجع وهو يقول : إن هذه الأحاديث دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً .

165- حدثنا حماد بن أبي سلمة : حدثني شيخٌ لهم – يعني : الرافضة – تاب ، قال : كنا إذا اجتمعنا استحسناً شيئاً جعلناه حديثاً .

 

قال أبو حاتم رحمه الله : ومنهم من استفزه الشيطان حتى كان يضع الحديث على الشيوخ الثقات في الحث على الخير وذكر الفضائل ، والزجر عن المعاصي والعقوبات عليها ، متوهمون [متوهمين] أن ذلك الفعل مما يؤجرون عليه ، ويتأولون قول النبي صلى الله عليه وسلم : "من كذب علي متعمداً" ما حدثني أحمد بن محمد الجواربي بواسط ، قال : حدثنا علي بن عبد الرحمن بن المغيرة ، قال : سمعت أبا صالح ، يقول : سمعت بقية يقول : سمعت إبراهيم بن أدهم ، يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم : "من كذب علي متعمداً" أن قال : ساحر أو شاعر أو كاهن .

قال أبو حاتم : ومنهم القصاص والسؤال الذين كانوا يضعون الحديث في قصصهم ، ويروونها عن الثقات ، فكان يحمل المستمع منهم الشيء بعد الشيء على حسب التعجب ، فوقع في أيدي الناس ، وتداولوها فيما بينهم كما :

أخبرنا إبراهيم بن عبد الواحد المعصوب ببلد الموصل ، قال : سمعت جعفر بن أبي عثمان ، يقول : صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة ، فقام بين أيديهم قاص ، فقال : حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، قالا : حدثنا عبد الرازق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قال لا إله إلا الله يُخلق من كل كلمة منها طير منقاره من ذهب ، وريشة من مرجان .. " وأخذ في قصة نحو عشرين ورقة ، فجعل أحمد بنظر إلى يحيى ، ويحيى إلى أحمد ، فقال : أنت حدثت بهذا ؟ فقال : والله ما سمعت به قط إلا الساعة ، قال : فسكتوا جميعاً حتى فرغ من قصصه وأخذ قطاعه ، ثم قعد ينظر بقيتها ، فقال له : يحيى بن معين بيده أن تعال ، فجاء متوهماً لنوال خيره ، فقال له يحيى : من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال : أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، قال : أنا يحيى وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان لابد والكذب فعلى غيرنا ، فقال له : أنت يحيى بن معين ؟ قال : نعم ، قال : لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ، ما علمته إلا الساعة ، فقال له يحيى : وكيف علمت أني أحمق ؟ قال : كأن ليس في الدنيا يحيى وأحمد غيركما ، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا ، قال : فوضع أحمد بن حنبل كمه على وجهه وقال : دعه يقوم ، فقام كالمستهزيء بهم .

قال أبو حاتم : وقد دخلت باجروان مدينة بين الرقة وحران فحضرت مسجد الجامع ، فلما فرغنا من الصلاة قام بين أيدينا شاب فقال : حدثنا أبو خليفة ، قال : حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قضى لمسلم حاجة فعل الله به كذا ... " وذكر كلاماً طويلاً ، فلما فرغ من كلامه دعوته ، فقلت : من أين أنت ؟ فقال : من أهل بردعة ، قلت : دخلت البصرة ؟ قال : لا ، قلت : رأيت أبا خليفة ؟ قال : لا ، قلت : فكيف تروي عنه وأنت لم تره ؟ فقال : إن المناقشة معنا من قلة المروءة ، أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد ، فكلما سمعت حديثاً ضممته إلى هذا الإسناد فرويت ، فقمت وتركته .

قال : وقام سائل فجعل يقول : حدثنا يزيد بن هارون عن ذئب بن أبي ذئب ، فضحك يزيد بن هارون ، فلما قمنا تبعناه ، فقلنا : ويحك ليس اسمه ذئب إنما هو محمد بن عبد الرحمن ، فقال : إذا كان أبوه اسمه أبو ذئب ، فأي شيء كان ابنه إلا ذئب .

 

أخبرنا عمر بن محمد الهمداني ، قال : حدثنا أبو يحيى المستملي ، قال : حدثنا أبو جعفر الجوزجاني ، قال : حدثني أبو عبد الله البصري ، قال : أتيت إسحاق بن راهويه ، فسألته شيئاً ، فقال : صنع الله لك ، فقلت : لم أسألك صنع الله ، إنما سألتك صدقة ، قال : لطف الله لك ، فقلت : لم أسألك لطف الله ، إنما سألتك صدقة ، قال : فغضب ، وقال : أيها الرجل إن الصدقة لا تحل لك ، قلت : ولِمَ يرحمك الله ؟ قال : لأن جريراً حدثنا ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مُرةٍ سوي" وأنت صحيح قوي ذو مرة سوي ، قال : فقال : ترفق رحمك الله ، فإن معي حديثاً في مراهية العمل ، فقال إسحاق : وما هو ؟ فقلت : حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق ، عن أفشين ، عن أنباح ، عن بان مان ، عن سيماء الصغير ، عن سيماء الكبير ، عن عجيف بن عنبسة ، عن رغلمح بن أمير المؤمنين أنه قال : العمل شؤم وتركه ، بقعد تمنى خير من أن تعمل قعنا [فقلنا : ] لا إله إلا الله ، قال : فضحك إسحاق وذهب غضبه ، وقال : زدنا من هذا الحديث ، فقلت : حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق بإسناده عن عجيف فسأل [قال] قعد رغلمح في جلسائه ، فقال : أخبروني بأعقل الناس عندك ، فأخبر كل واحد منهم بما عنده ، فقال لهم : لم تصيبوا ، قالوا له : فأخبرنا بأعقل الناس عندك ، قال : أعقل الناس الذي لا يعمل ، لأن من العمل يجيء التعب ، ومن التعب يجيء المرض ، ومن المرض يجيء الموت ، ومن عمل فقد أعان على نفسه ، وقال الله تبارك وتعالى : {ولا تقتلوا أنفسكم} .

قال إسحاق : زدنا من حديثك ، قال : وحدثني أبو عبد الله الصادق الناطق بإسناده عن رغلمح قال : من أطعم أخاه شواءً غفر الله له عدد النوى ، ومن أطعم أخاه هريسة غفر الله له مثل الكنيسة ، ومن أطعم أخاه هريسة غفر الله له

سمعت عبد الله بن جابر بطرسوس ، يقول : سمعت جعفر بن محمد الأزدي ، يقول : سمعت محمد بن عيسى بن الطباع ، يقول : سمعت ابن مهدي ، يقول لميسرة بن عبد ربه : من أين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا ؟ قال : وضعتها أرغب الناس فيها .

سمعت هارون بن عيسى بن السُكَين ببلد ، قال : سمعت أحمد بن منصور الرمادي ، يقول : كنا عند أبي نعيم نسمع مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، قال : فجاءني يوماً يحيى ومعه ورقة قد كتب فيها أحاديث من أحاديث أبي نعيم وأدخل في خلالها ما ليس من حديثه ، وقال : أعطه بحضرتنا حتى يقرأ ، وكان أبو نعيم إذا قعد في تيك الأيام للحديث كان أحمد على يمينه ويحيى على يساره ، فلما خف المجلس ناولته الورقة فنظر فيها كلها ، ثم تأملني ونظر إليهما ، ثم قال وأشار إلى أحمد : أما هذا فأدين من أن يفعل مثل هذا ، وأما أنت فلا تفعلن ، وليس هذا إلا من عمل هذا ، ثم رفس يحيى رفسة ، رماه إلى أسفل السرير ، وقال : علي تعمل ؟ فقام إليه يحيى وقبله ، وقلا : جزاك الله عن الإسلام خيراً ، مثلك من يحدث ، إنما أردت أن أُجَرَّبَكَ .

سمعت أحمد بن إسحاق السني الدينوري يقول : رأى أحمد بن حنبل رحمة الله عليه يحيى بن معين في زاوية بصنعاء وهو يكتب صحيفة معمر ، عن أبان ، عن أنس ، فإذا طلع عليه إنسان كتمه ، فقال أحمد بن حنبل رحمه الله له : تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس ، وتعلم أنها موضوعة ؟ فلو قال لك القائل : أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه ؟ قال : رحمك الله يا أبا عبد الله ، أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرازق عن معمر ، عن أبان ، عن أنس ، وأحفظها كلها ، وأعلم أنها موضوعة ، حتى لا يجيء بعدنا إنسان فيجعل بدل أبان ثابتاً ، ويرويها عن معمر بن ثابت بن أنس ، فأقول له : كذبت ، إنما هي أبان لا ثابت .

قال أبو حاتم رحمه الله : ومنهم من كان يضع الحديث عند الحوادث تحدث للملوك وغيرهم في الوقت دون الوقت من غير أن يجعلوا ذلك لهم صناعة ليتشوقوا بها ، مثل النوع الثالث الذين ذكرناهم ، فأما هذا النوع فهو كغياث بن إبراهيم ، حيث أدخل على المهدي ، وكان المهدي يشتري الحمام ويشتهيها ، ويلعب بها ، فلما دخل غياث على المهدي إذا قدامه حمام ، فقيل له : حدث أمير المؤمنين ، فقال : حدثنا فلان ، عن فلان ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "لا سبق إلا في نصل أو حافر أو جناح" فأمر له المهدي ببدرة ، فلما قام ، قال : أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال المهدي : أنا حملته على ذلك ، ثم أمر بذبح الحمام ، ورفض ما كان فيه منه .

قال سيف بن عمر: كنا عند سعد بن طريق الإسكاف ، فجاءه ابنه يبكي ، فقال : ما لك ؟ فقال ضربني المعلم ، فقال : أما والله لأخزينهم ، حدثني عكرمة ، عن ابن عباس ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مُعلموا صبيانكم شراركم ، أقلهم رحمة لليتيم ، وأغلظهم على المسكين" .

1553- قال علان الوراق : رأيت العتابي يأكل خبزاً على الطريق بباب الشام ، فقلت له : ويحك ، أما تستحي ؟ فقال لي : أرأيت لو كنا في دار فيها بقر ، أكنت تحتشم أن تأكل . وهي تراك ؟ فقلت : لا . قال : فاصبر حتى أعلمك أنهم بقر ، ثم قام ، فوعظ ، وقص ، ودعا ، حتى كثر الزحام عليه ، ثم قال لهم : روي لنا من غير وجه أن من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار . قال : فما بقي منهم أحد إلا أخرج لسانه يومئ به نحو أرنبته ويقدره ، هل يبلغها ، فلما تفرقوا قال لي العتابي : ألم أخبرك أنهم بقر ؟ .

 

قال إسماعيل بن عياش : كنت بالعراق فأتاني أهل الحديث ، فقالوا : هذا رجل يحدث عن خالد بن معدان ، قال : فأتيته فقلت : أي سنة كتبت عن خالد بن معدان ؟ قال : سنة ثلاث عشرة ، فقلت : أنت تزعم أنك سمعت من خالد بعد موته بسبع مات خالد سنة ست ومئة .

 

و قام رجل يحدث ويزيد بن هارون قاعد ، فجعل يسأل الناس فلم يعط ، فقال : حدثنا يزيد بن هارون ، عن شريك ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : إذا سأل السائل ثلاثاً فلم يعط يكبر عليهم ثلاثاً ، وجعل يقول : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، فذكرنا ليزيد بن هارون ، فقال : كذب الخبيث ما سمعت بهذا قط

 

فتصدى لذلك جهابذة الحديث ، وأئمة الرواية ، ونُقاد الأسانيد ؛ فاهتمُّوا بإسناد الحديث الموصل إلى المتن ، في وقت مبكر ، في أعقاب الفتن التي ألمعنا إليها ، وكان من ذلك صيانة السُّنَّة ، وحفظها وتنقيتها عما يشوب صفاءها ، ويعكر صفوها ، وكان الإسناد خصيصة شريفة ، ومكرمةً فريدة لهذه الأمة ، لم يُؤتها أحدٌ من الأمم قبلها .

قال عَبْدَان : (سمعت عبد الله بن المبارك يقول : الإسناد عندي من الدين ، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء

قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى : روينا أن يحيى بن معين رضي الله عنه قيل له في مرضه الذي مات فيه : ما تشتهي ؟ فقال : بيت خالي وإسناد عالي .

 

قال أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني : (قلت لعبد الله بن المبارك : يا أبا عبد الرحمن ، الحديث الذي جاء : "إن من البر بعد البر : أن تصلي لأبويك مع صلاتك ، وتصوم لهما مع صومك " ؟ قال : فقال عبد الله : يا أبا إسحاق ، عمن هذا ؟ قال : قلت له : هذا من حديث شهاب بن خراش . فقال : ثقةٌ ، عمن ؟ قال : قلت : عن الحجاج بن دينار . قال : ثقةٌ ، عمن ؟ قال : قلت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : يا أبا إسحاق ، إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مَفَاوِزَ ، تنقطع فيها أعناقُ المطيِّ ، ولكن ليس في الصَّدَقَةِ اختلافٌ ) .

وقال عبد الصمد بن حسان : سمعت سفيان الثوري يقول : ( الإسناد سلاح المؤمن ، فإذا لم يكن معه سلاحٌ فبأي شيءٍ يُقاتل ) ؟

وقال شعبة : ( كل حديث ليس فيه : حدثنا وأخبرنا ، فهو خَلٌّ وبَقْلٌ ) .

الإسناد في الأصل ، خصيصة فاضلة من خصائص الأمة ، سنة بالغة من السنن المؤكدة ، قال أبو العباس ابن تيميه : وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ، وجعله سلما إلى الدارية ، فأما أهل الكتاب فلا إسناد لهم يأثرون به المنقولات ، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة من أهل الضلالات ، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة ، أهل الإسلام والسنة ، يفرقون به بين الصحيح والسقيم ، والمعوج والقويم، وغيرهم من أهل البدع والكفار إنما عندهم منقولات يأثرونها بغير إسناد ، وعليها من دينهم الاعتماد ، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل ، ولا الحالي من العاطل . (مجموع الفتاوى 1/9) .

قلت : ليس لأهل الكتاب إسناد متصل يأثرونه عن سلفهم ، بل ولا نسخ معتمدة من التوراة والأنجيل مثبت إسنادها وأقدم ما لديهم من النسخ اليونانية يرجع تاريخه إلى القرن الرابع

،

قال الحافظ أبو عبد الله الحاكم النيسابوري : (فلولا الإسناد ، وطلب هذه الطائفة له ، وكثرة مواظبتهم على حفظه ، لدرس منار الإسلام ، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع منه ، بوضع الأحاديث ، وقلب الأسانيد ، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها ، كانت بُتراً ) .

وبلغ حبُّ الإسناد برجال الحديث ، وغبتطهم بتحصيله ، ونشوتهم وارتياحهم بذكره ، أن قال أحدهم :

يا لذة العيش لما قلت حدثنا عوف وبشرٌ عن الشعبي والحسن

 

واقتفى أثر المحدثين في التزام السند والمفسرون والمؤرخون والأدباء وغيرهم ، فجعلوه من سنن العلم ؛ قال الدكتور أكرم ضياء العمري : ( لقد أثر منهج المحدثين في التزام الإسناد في نطاق الحديث على المؤرخين وأهل الأدب ، حيث أصبحت الأسانيد تتقدم الروايات التاريخية والأدبية . وهكذا امتد استعمال الأسانيد إلى كتب السيرة الأولى : كسيرة ابن إسحاق ، ومغازي الواقدي ، والطبقات الكبرى لابن سعد ، وكتب التأريخ مثل : تأريخ خليفة بن خياط ، وتأريخ الأمم والملوك للطبري ، وكتب الأدب : ككتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ) .

وقال العلامة المحدث المحقق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة : ( فقد جعل علماؤنا المتقدمون – رحمهم الله تعالى وأكرم نُزُلَهم – ( الإسناد ) أو ( السَّنَد ) من ( سُنن العلم ) ، أياً كان ذلك العلم : ديناً كعلم التفسير والحديث والفقه والأصول .. ، أو آلة لعلم الدين كعلم الدين والتاريخ واللغة والنحو والشعر ونحوها ، أو أسماراً وحِكَماً ونوادر وطرائف ) .

وبذل الأئمة النقاد جهوداً مُضنية في البحث عن عدالة الرواة ، واختبار حفظهم وتيقظهم ، ومتانة ديانتهم ، وصحة روايتهم ، فوثقوا من يستحق التوثيق ، وطعنوا في الضعفاء والمُخَلِّطين والكذابين ، ونشروا ذلك بين الناس ، فنشأ ما يعرف بعلم الجرح والتعديل .

والجرحُ عند المحدثين : هو الطعن في راوي الحديث ، بما يَسْلُب أو يخلّ بعدالته أو ضبطه .

والتعديل : عكسه ، وهو تزكية الراوي ، والحُكْم عليه بأنه عدلٌ أو ضابط .

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : ( جاء أبو تراب النخشبيُّ إلى أبي رضي الله عنه ، فجعل أبي يقول : فلان ضعيف ، فلان ثقة ، فقال أبو تراب : يا شيخ لا تغتب العلماء ! فالتفت أبي إليه وقال له : ويحك ! هذا نصيحة ، ليس هذا غيبة ) .

وقال بعض الصوفية لابن المبارك – وسمعه يُضعِّفُ بعض الرواة - : ( يا أبا عبد الرحمن تغتاب ؟! قال : اسكت ، إذا لم نُبيِّن ، فمن أين يُعرف الحقُّ من الباطل ) ؟! .

وقال أبو بكر بن خلاد ليحيى بن سعيد : ( أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله ؟! فقال : لأن يكونوا خصمائي أحبُّ إليَّ من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكذب عن حديثي ) ؟! .

والكلام في الرجال له شرائطه ، فيجب في المتكلم فيهم أن يكون عالماً ، تقياً ، ورعاً ، صادقاً ، منصفاً ، عالماً بأسباب الجرح والتعديل وتصاريف كلام العرب .

وبلغ أئمة الجرح والتعديل الغاية في التحري والإنصاف وعدم المُحاباة ، فعدلوا وجرحوا ، وصححوا ووَهَّنوا ، ولم يُحابوا أباٌ ، ولا ابناٌ ، ولا أخاً :

( قال علي بن المديني لمن سأله عن أبيه : سلوا عنه غيري . فأعادوا المسألة ، فأطرق ثم رفع رأسه فقال : هو الدين ، إنه ضعيفٌ ! .

وكان وكيع بن الجراح ، لكون والده كان على بيت المال ، يَقْرُنُ معه آخر إذا روى عنه ) .

وقال عُبيد الله بن عمرو : ( قال زيدٌ – يعني ابن أبي أنيسة - : لا تأخذوا عن أخي ) .

وقال ابن أبي حاتم الرازي : ( سمعت أبي يقول : سمعت يحيى بن المغيرة قال : سألت جريراً عن أخيه أنس ؟ فقال : لا يكتب عنه ، فإنه يكذب في كلام الناس ، وقد سمع من هشام بن عروة ، وعبيد الله بن عمر ، ولكن يكذب في حديث الناس ، فلا يُكتَبُ عنه ) ! .

سمعت محمد بن عبد الرحمن ، يقول : سمعت الحسين بن فرج ، يقول : عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، قال : جاءني أبان بن أبي عياش ، فقال : أجد أن تكلم شعبة أن يكف عني ، قال : فكلمته فكف عنه أياماً ، فأتاني في بعض الليل ، فقال : إنك سألتني أن أكف عن أبان وأنه لا يحل الكف عنه ، فإنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

ومن مشاهير أئمة الجرح والتعديل : شعبة بن الحجاج ، وسُفيان الثوري ، وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن معين ، ويحيى بن سعيد القطان ، وعلي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، وأبو عبد الله البُخاري ، وأبو حاتم وأبو زُرعة الرازيان ، وغيرهم كثير ، رضي الله عنهم .

ووضع الأئمة لذلك ألفاظاً يَصِفُونَ بها حال الراوي من حيث القبول أو الرد ، ويدلون بها على المرتبة التي ينبغي أن يُوضع فيها على مراتب الجرح والتعديل :

* فأرفعُ ألفاظ التعديل :

أوثق الناس ، وأضبط الناس ، وإليه المُنتهى في التثبت ثم ما يليه كقولهم : فلانٌ لا يُسأل عنه ثم ثقةٍ ثقة ، وثبتٍ ثبت . ومن هذه المرتبة قولهم : ثقةٌ جَبَل ثم ثقةٍ ، أو ثبت ، أو كأنه مُصحف ، أو حُجَّة ، أو إمام ، أو ضابط ، أو حافظ .ثم قولهم : ليس به بأسٌ ، أو لا بأس به ، أو صدوق ، أو مأمُون ، أو خيار الخلق ثم ما أشعر بالقرب من التجريح ، وهو أدنى المراتب ، كقولهم : ليس ببعيدٍ من الصواب ، أو شيخٌ ، أو يُروى حديثه ، أو يُعتبر به ، أو شيخٌ وسط ، أو روى الناس عنه ، أو صالح الحديث ، أو مقاربُ الحديث ، أو صويلح ، أو صدوق إن شاء الله ، ونحو ذلك .

ومن ألفاظ التجريح : قولهم : فلانٌ كذاب ، أو يكذب ، أو يضع الحديث ، أو وضَّاع ، أو وضع حديثاً ، أو دجَّال . وهذه أسوأ المراتب ويليها قولهم : فلانٌ متهم بالكذب ، أو الوضع ، وفلانٌ ساقط ، وفلانٌ هالك ، وفلان ذاهبٌ ، أو ذاهب الحديث ، أو متروك ، أو متروك الحديث ، أو تركوه ، أو فيه نظر ، أو سكتوا عنه ، أو فلان لا يُعْتَبرُ به ، أو لا يُعْتَبرُ بحديثه ، أو ليس بالثقة ، أو ليس بالثقة ، أو ليس بثقةٍ ولا مأمونٍ ويليها : فلانٌ رُدَّ حديثه ، أو مردود الحديث ، وفلانٌ ضعيفٌ جداً ، وواهٍ بمرَّة ، وطرحوا حديثه ، أو مُطرح ، أو مطرح الحديث ، وفلانٌ ارْمِ به ، وليس بشيء ، ونحو ذلك . ثم مرتبة رابعة كقولهم : فلانٌ ضعيف مُنكرُ الحديث ، أو حديثه منكر ، أو مُضطرب الحديث ، وفلانٌ واهٍ ، وضعفوه ، وفلانٌ لا يُحتج به والمرتبة الخامسة : فلانٌ فيه مقال ، فلان ضعف ، أو فيه ضعف ، أو في حديثه ضعفٌ ، وفلانٌ يُعرف ويُنكر ، وليس بذلك ، أو ليس بذاك القوي ، وليس بالمتين ، وليس بالقوي ، وليس بحُجة ، وليس بعُمدة ، وليس بالمرضي ، وفلانٌ للضعف ما هو ، وفيه خُلْف ، وطَعَنُوا فيه ، وسيء الحفظ ، وليِّن ، أو ليِّنُ الحديث ، أو فيه لِيْنٌ ، وتكلموا فيه .

 

كذلك اشترط المحدثون شروطاً دقيقة لقبول الحديث ، تشمل فحص السند والمتن و من دقة منهجهم أن ميزوا بثين مراتب القبول ، ولم يسووا بينها ، فهي متفاوتة من أصح الصحيح إلى أدنى مراتب الحسن وقرروا أنه قد يصح المتن ولا يصح السند ، وقد يصح السند ولا يصح المتن . وفي الحديث الضعيف : ميزوا بين يسير الضعف الذي يُحتَمل صدقه في باطن الأمر ، وبين شديد الضعف الذي يبعد منه ذلك الاحتمال ، وبين المكذوب الملصق بقائله ، وأعطوا كل مرتبة منها حكمها المناسب .

وصاحب تلك الجهود العظيمة عناية المحدثين بما عُرف بـ "مصطلح الحديث" أو "علوم الحديث" ، فاستوفوا البحث في آداب الراوي والمحدث ، وطُرق التحمل والأداء ، واجتهاد المحدثين في حمل العلم ، وقعدوا القواعد التي يُعرف بها حالُ الراوي والمروي من حيث القبول والرد ، وتناولوا أقسام الحديث الصحيح والحسن والضعيف ، وما يتعلق بهذا الفن من أمور كثيرة ، يدعو حصرها والكلام فيها إلى الإعجاب والتقدير .

وكان من الرواد في هذا الميدان : الرامهرمزي ، والحاكم النيسابوري ، والخطيب البغداد – والمحدثون عيالٌ على كتبه – والقاضي عياض ، وابن الصلاح ، والنووي ، وابن كثير ، والعراقي ، وابن حجر ، والسخاي ، والسيوطي ، في آخرين .

وتبعهم من المعاصرين جماعةٌٌ كأبي الحسنات اللكنوي ، وظفر أحمد العثماني التهانوي ، وأحمد شاكر ، ومحمد جمال الدين القاسمي ، والدكتور محمد محمد السماحي ، والدكتور محمد عجاج الخطيب ، والدكتور نور الدين عتر ، والعلامة عبد الفتاح أبو غدة ، وغيرهم .

* تدوين الحديث :

- وكان الحديث في بداية الأمر يؤخذ بالتلقي والمشافهة ، فالصحابة حفظوه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأودعوه صدورهم ، وساعدهم على ذلك : صفاء أذهانهم ، ونمو ملكة الحفظ عندهم لكونهم أمة أمية قد اعتادوا حفظ أشعارهم وخطبهم وأنسابهم ومآثرهم ، وكذلك معرفتهم لمنزلة الحديث النبوي في الإسلام ، ثم الأسلوب النبوي في الحديث حيث كان كلامه فصلاً ولا يسرده سرداً . ونقل الصحابة الأثر الشريف إلى التابعين ، الذين اعتمدوا بدورهم على الذاكرة في حفظ الحديث ، وجرى على ذلك من بعدهم بالتلقي والمشافهة ، واحتاطوا لذلك بكتابة الحديث وتدوينه .

وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تنهى عن كتابة غير القرآن ، كما جاءت أحاديث أخرى فيها الإذن بكتابة الحديث النبوي ، كذلك وردت أحاديث كثيرة عن عدد من الصحابة فيها إثبات وقوع الكتابة للسنة الشريفة في عهده صلى الله عليه وسلم .

لذا اختلف الصدر الأول رضي الله تعالى عنهم في كتابة الحديث ، فمنهم من كره تدوينه وأمروا بحفظه ، ومنهم من أجاز ذلك . ومثل هذا حدث في عصر التابعين .

وسلك العلماء في التوفيق بين الأحاديث وإزالة هذا التعارض عدة مسالك ، وأياً ما كان الأمر فقد استقرت آراء العلماء بعدُ على وجوب تدوين الحديث النبوي ، قال الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح : ( ثم إنه زال ذلك الخلاف ، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة ) .

 

وقد كان بعض الصحابة يكتبون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، كما كُتبت بعض الصُّحُف أيضاً ، ومن ذلك : الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص ، وصحيفة علي بن أبي طالب ، وصحيفة سعد بن عبادة ، وصحيفة عبد الله بن أبي أوفى ، ونسخة سَمُرة بن جُندب ، وكتاب أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، وصحيفة أبي موسى الأشعري ، وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري ، ، وكتب أمر بها صلى الله عليه وسلم لأفراد من أصحابه مثل كتابه خطبته لأبي شاه ، وغير ذلك ، لكن الكتابة في هذا العهد لم تأخذ طابع التدوين العام ، ولا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتدوين الحديث كما أمر كتابة القرآن الكريم وأدنى منه كتاب الوحي ، وانصرم القرن الأول الهجري ولم تُدون الأحاديث النبوية تدويناً رسمياً شاملاً عاماً ، إلى أن جاء الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فأمر بذلك .

ذكر البخاريُّ في "صحيحه" تعليقاً كتاب عُمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : (انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه ، فإني خِفتُ دُرُوس العلم ، وذهاب العلماء) .

وعن عبد الله بن دينار قال : ( كتب عُمر بن عبد العزيز إلى الآفاق : انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه ، واحفظوه ، فإني أخاف دُرُوسَ العلم وذهابَ العلماء) .

وقام الزهري – وهو هو – بمحاولةٍ شاملة لجمع العلم ، كانت هي المحاولة الأولى لجمع الحديث وتدوينه بشمولٍ واستقصاء . وبذلك مهد عمر والزهري الطريق للعلماء في القرن الثاني للقيام بجمع الحديث وتدوينه في الكُتب ، وممن اشتهر بوضع المصنفات في الحديث :

عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج بمكة ، ومعمر بن راشد باليمن ، وسعيد بن أبي عَرُوبة بالبصرة ، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام ، وشُعبة بن الحَجَّاج بالبصرة ، وسُفيان بن سعيد الثوري بالكوفة ، والليث بن سعد بمصر ، ومالك بن أنس بالمدينة ، وعبد الله بن المبارك بِخُراسان ، وهُشيم بن بشير بواسط ، وجرير بن عبد الحميد الضَّبيَّ بالرَّيُ ، وعبد الله بن وهب بمصر ، وسُفيان بن عُيَينة بمكة ، وغيرهم كثير .

( وكانت طريقتهم في جمع الحديث أنهم يضعون الأحاديث المتناسبة في باب واحد ، ثم يضمون جملة من الأبواب بعضها إلى بعض ، ويجعلونها في مصنف واحد ، ويخلطون الأحاديث بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ، وقد حملت المصنفات الأولى هذه عناوين مثل : ( مُصَنَّف ) ، و ( سُنَن ) و ( مُوَطأ ) و ( جَامِع ) ، وجمعت مادتها من الأجزاء والصُّحُف التي دُوِّنتْ قبل مرحلة التصنيف ) .

وبلغ التدوين ذُروته في القرن الثالث الهجري ، الذي يعتبر أسعد عصور السُّنَّة وأزهاها ، حيث دوِّنت الكتب الستة ، وكثيرٌ من المسانيد ، فرتَّب بعضهم الأحاديث على طريقة المسانيد ؛ بأن جمعوا أحاديث كل صحابي على حِدَة ، وممن صنف في هذا الباب :

مُسدد بن مُسرهد ، ابن راهويه ، أحمد بن حنبل و البزار وغيرهم .

وهذه المسانيد فيها الحديث الصحيح ، والحسن والضعيف ، والموضوع ، وهذا ما دفع الإمام الهُمام أبا عبد الله البخاري إلى إفراد الصحيح في كتابه العظيم ( صحيح البخاري ) ، ورتبه على أبواب الفقه ، وتبعه على ذلك الإمام مسلِمٌ .

وتابعهما في التصنيف على أبواب الفقه الأئمة الأربعة الحفَّاظ : أبو داود ، والترمذيُّ ، والنسائي ، وابن ماجه ، في السنن الأربعة المشهورة ، لكنها احتوت مع الصحيح الحسن والضعيف .

وبعد القرن الثالث جاء أئمةٌ آخرون كُتباً جليلة في الحديث الشريف ، فمنهم من تابع الشيخين في إفراد الصحيح ، ومنهم من تابع أصحاب السنن كالدارَقُطنِيّ ، والبَيْهَقيّ .

وصنف أخرون على طريقة المعاجم : كأبي القاسم سُليمان بن أحمد الطبراني ، أو المُستدركات كأبي عبد الله الحاكم ، أو المُستخرجات : كأبي بكر الإسماعيلي ، وأبي عوانه

ومنهم من جمع بين الصحيحين : كالحُميدي ، أو جمع بين الأصول الستة كالسرقُسطي ، وابن الأثير .

ومنهم من انتقى الأحاديث الأحكام ودونها في كتاب : كابن حجر العسقلاني في ( بلوغ المرام ) .

لا يوجد بث مباشر الان
حكم الاحتفال بشم النسيم - الشيخ كشك رحمه اللهكيف نستعد من رجب و شعبان - لرمضان عقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيمعنى الولاء والبراء..وإلى أين يتوجهان ؟ .. الشيخ الطريفيتعلم اركان الحج وزارة الحج السعوديةالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة