العلماء والدعاة    الشيخ
التصنيف العام الواقع المعاصر
أقرِض.. ولا تقترِض ! " محمد حسين يعقوب "

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أقرِض.. ولا تقترِض !

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله

 

وبعد..

 

فإن من الأعمال المفقودة التي نحتاج إلى إحيائها في هذه الأيام؛

 

القرض الحسن

 

إن كنا في أيام الشتاء، وهناك مسلم عسير يحتاج إلى خمسمائة جنيه أو ألف جنيه.. فمن أين يأتي بها؟

 

أو كنا في موسم المدارس، أو كان هناك أب يريد أن يزوج ابنته، أو شاب يريد العفاف ،ويحتاج دَفعة، أو أخت كانت متبرجة، وارتدت الحجاب، وتحتاج أن تغير كل ملابسها.. فمن أين يأتي هؤلاء بهذه الأموال؟

 

من البنوك؟ ربا يُحارب الله جل جلاله؟! ثم تتضاعف الألف لتصير عشرة آلاف؟!

 

أم من أين؟!

 

وهنا نسأل: أين سنة القرض الحسن؟!

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر" [الطبراني، وصححه الألباني]

 

القرض بكم؟ .. بثمانية عشر.. فلم لا تُقرِض؟

 

تقول:" يا شيخ! ليس هناك أحد يُسَدِّد، كل من يستلف لا يَرُد المال! "

 

أقول لك: وليكن، وليكن.. إن لم يَرُد.. تصدق عليه به، تكن في ظله يوم القيامة؛ فحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم قال: "من أنظر معسراً أو وضَع عنه كان في ظل صدقته يوم القيامة" [ابن حبان، وصححه الألباني]

 

يوم القيامة تدنو الشمس من الرؤوس، ويُلجم العرق الناس إلجاما.. والزحام.. والمعاصي..

 

في هذه الساعة لك عنده ألف جنيه أو خمسمائة أو مئة أو خمسون أو عشرون.. سَتُرَص جنيهات بجوار بعضها البعض وتُظِلك من حر الشمس.. هل هذه خسارة؟!

 

هل هناك شيء يضيع؟!.. أبدا.

 

هذه قضية القرض.. أوقِف خمسمئة جنيه أو ألف جنيه، وقل لأولادك: هذه الألف للقرض.. إنسان يقترض مئة، وإنسان يقترض خمسين، وإنسان يقترض عشرين.. وتأخذ عليهم "إيصالات"، قال الله: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: 282]؛ متى ستُسَدِّد ؟.. بعد شهر.. بعد ستة أشهر.. على مدار السنة.. في الشهر خمسة جنيهات.. لا بأس، وتكتب هذا.

 

وإياك أن تَسجِن مسلماً إياك أن تشتكيه بهذا "الإيصال".. ماذا ستستفيد؟..

 

دفع: خير وبركة، وتُقرِض غيره.. لم يدفع: ضَع عنه وسامحه واتركه.. لله.. فَنِيَت الألف.. لا بأس.. فليس عليك شيء؛ قد أديت عملاً لله.

 

ما يضرنا لو فعلنا ذلك..

 

تقول: ومن عنده اليوم ألف جنيه؟

 

أقول: خمسون.. عشرة.. خمسة.. المهم: قرض حسن.. لله

 

لست أنصحك أن تمر على الناس فتقول: من يريد أن يقترض؟!

 

لا.. لا.. إنما حين ترى مكروباً ساعده في تفريج كربته، قال الحبيب المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" [متفق عليه]..

 

اللهم فرج كربات المسلمين يا أرحم الراحمين.

 

لا تقترض !

 

وإذا نصحتك أن تُقرِض.. فإني أنصحك ألا تقترض.. إياك أن تقترض من أحد شيئا

 

مصيبة القرض مصيبتان: مصيبة في الدنيا، ومصيبة في الآخرة:

 

أما في الدنيا: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظُلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر" [الترمذي، وصححه الألباني].

 

الرسول يقسم- صلى الله عليه وسلم- أن من فتح على نفسه باب مسألة، وهي أن يقول: "ساعدني.. أعطني.. أنا محتاج.. هات.." فُتح عليه باب فقر.. ولذلك تجد دائماً أن من فتح على نفسه هذا الباب لا يغتني أبداً، ولا يسدد أبداً..

 

اللهم استرنا ولا تفضحنا يا رب..

 

فلا تفتح على نفسك باب مسألة.. اصبر ولا تقترض.. واستعن بالله وعش على الكفاف.

 

وأما في الآخرة: فإن الله لا يغفر للمقترض، فيعَذب في قبره بما عليه من المال.. والحديث مشهور: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على الميت حتى يسأل: "أعليه دين؟"، فإن قالوا:" لا " صلى عليه، وإن قالوا: " نعم " قال: "صلوا على صاحبكم؛ لا أصلي عليه" [مسلم]

 

فأُتي بميت فقال: "أعليه دين؟"، قال رجل: "نعم، لي عنده ديناران"، فقال: "صلوا على صاحبكم"، قال أبو أيوب الأنصاري: "صل عليه يا رسول الله ودينه عليَّ "، فصلى عليه رسول الله، فلما كان من الغد قال: "يا أبا أيوب، ما فعل الديناران؟"، قال:" يا رسول الله، وهل كان ذلك إلا أمس؟!" فسكت رسول الله، فلما كان من ثاني يوم قال أبو أيوب:" دفعت الدينارين يا رسول الله"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآن بَرَدَت عليه جِلدَتُه" [أحمد، وصححه الألباني]

 

كان يُعّذَّب بالدينارين ليوم أو يومين !! .. أرأيت إذا مت الآن كم من الأقساط المتأخرة عليك ستُعَذب بها في جهنم؟! ويمتلئ قبرك عليك ناراً؟

 

اللهم اقض عنا الدين، واغننا من الفقر..

 

اللهم إنا نعوذ بك من غلبة الدَّين.. وذُل الدَّين.. وهم الدَّين..

 

قال بعض السلف: "إن الدَّين يذهب بأشياء في العقل لا تعود إليه أبداً" !

 

ولذا.. أُشدد عليك أخي بألا تقترض أبداً.. وإن كنت قد فعلت، فتب الآن واعزم على عدم العودة، واستعن بالله ليعينك على قضاء دَينك، واجتهد في الدعاء.

 

ومن أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم العظيمة النافعة في هذا الباب:

 

"اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء ،فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان ،أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ،وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر" [مسلم]

 

وحديث علي رضي الله عنه: أنه جاءه مكاتب، فقال: "إني عجزت عن كتابي فأعني". قال:" ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لو كان عليك مثل جبل كبير دينا أداه الله عنك؟! قل: "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك" [الترمذي، وحسنه الألباني]

 

فاللهم اقض الدين عن المدينين من المسلمين..

وفرج كرب المهمومين من المسلمين..

اللهم وسع بالحلال أرزاق المسلمين..

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك..

يا أرحم الراحمين.. وأكرم الأكرمين.. وأجود الأجودين.

 

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله، والحمد لله رب العالمين

 

الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ

لا يوجد بث مباشر الان
عقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيتعلم اركان الحج وزارة الحج السعوديةالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة