العلماء والدعاة    الشيخ
التصنيف العام العقيدة
صاعقة "أوهايو".. هل أصابت لاهوت المسيح

صاعقة "أوهايو".. هل أصابت لاهوت المسيح

 


كتبه/ أحمد الفيشاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن تمام حجة الله على أهل الكتاب أنْ بقي بكتبهم بقية نافعة من دين الأنبياء يَنتفع بها المنصف اللبيب الذي يريد الحق ويبحث عنه؛ فيجد خلاصة الحق الباقي بالتوراة والإنجيل مذكورًا بالقرآن بأبلغ عبارة، وأدمغ حجة، وأبين برهان، فتواطؤ معاني القرآن مع كتب أهل الكتاب لهو آية على صدق دين الإسلام، وصدق رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

أما الجاهل الضال أو المعاند المكابر فإنه يعمد إلى ما في كتبه من نصوص مشتبهة أو محرفة فيبني عليها دينه وعقيدته، فيترك الثابت المحكم من كتابه مما يليق بمقام الله -تعالى- وبدينه، ويختار المشتبه والمحرف مما لا يليق بمقام الله -تعالى- ولا بدينه!

ومن تلك الثوابت التي اتفقت عليها الكتب الإلهية: الإخبار بتفرد الله -تعالى- بصفات الجمال والكمال، وأن لا نِدّ له ولا مثيل، وبذلك استحق أن يُعبد وحده بلا شريك.

واتفقت الكتب الإلهية أيضًا على تنزيه الله -تعالى- عن صورة المخلوقين، وأنه -سبحانه وتعالى- بائن عن خلقه، مستو ٍعلى عرشه، لا يخالط عباده؛ فضلاً أن يحل ببعض مصنوعاته، لا بوثن أو صنم، ولا بحجر أو بشر، قال الله -تعالى- في القرآن: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى:11). وقال: (فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم:65)، وقال: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص:4)، وقال: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:5)، وغير ذلك كثير مما هو مذكور بالقرآن.

ومما جاء بالعهد القديم على لسان سليمان -عليه السلام- وهو يثني على ربه بعد بنائه بيتَ المقدس: "أيها الرب إله بني إسرائيل، لا مِثل لك لا في السماء ولا في الأرض، هل تسكن الأرض مع الإنسان حقًا يا الله؟ فإن السموات، بل وسماوات السماوات لا تسعك، فكيف يسعك البيت الذي بنيتُ؟!" "سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح السادس، وسفر الملوك الأول: الإصحاح الثامن".

وفي سفر إشعياء: "هكذا قال الرب: السماء عرشي، والأرض موطئ قدمي، فأي مكان تبنون لي لأقيم فيه، وهي كلها صنعة يدي" (إشعياء 66: 1).

وفي عظة موسى -عليه السلام لبني إسرائيل كما في سفر التثنية الإصحاح الرابع، قال لهم: "انتبهوا لأنفسكم؛ فإنكم يوم كلمكم الرب في الجبل لم تروا له صورة، فلا تصنعوا لكم صنمًا على شكل تمثال من أي نوع رجلاً أو امرأة أو حيوانًا أو طيرًا، وإذا نظرتم إلى الشمس أو القمر أو النجوم والكواكب فإياكم أن تنخدعوا فتسجدوا لها أو تعبدوها، فانتبهوا ولا تنسوا عهد الله الذي أخذه عليكم فتصنعوا لكم تمثالاً على شكل صورة مما قد نهاكم الله عنه".

فهذه النصوص وغيرها كثير في التوراة والإنجيل مما تتفق مع نصوص القرآن في توحيد الله وتنزيهه، والنهي عن تصويره وتمثيله بمخلوقاته فضلاً عن حلوله أو اتحاده بها أو ببعضها.

وهذه النصوص وأشباهها هي أساس الاعتقاد المميز بين دين الأنبياء ودين الوثنيين؛ فليس من عباد الأوثان من يقول: إن ذلك الحجر المنحوت أو تلك الألوان التي في الصورة أو ذلك اللوح المصور عليه هو رب العالمين نفسه، وإنما يزعمون نوعًا من الحلول أو الاتحاد للرب -تعالى- بتلك الأحجار أو الألواح أو غير ذلك من الأوثان؛ فمبدأ الحضور الإلهي -حلول أو اتحاد- هو الأساس الذي بنى عليه أهل الأوثان دينهم، وهو الذي تفرع عنه بعد ذلك مبدأ تعدد الآلهة وتشريك العبادة مع الله -تعالى-.

ولما كان دين النصارى دينًا منحوتـًا على مثال دين الوثنيين، كان من أهم مبادئه وأسسه هو: "مبدأ التجسد الإلهي وحضور الرب -تعالى- في جسد المسيح".

فالنصارى يزعمون أن الله -تعالى- حَلَّ أو اتحَدَ بجسد عيسى -عليه السلام- وهو في بطن أمه؛ فنتج عن ذلك الإله المتجسد أو الإله المتأنس، أي: الإله الذي ظهر لاهوته في صورة إنسان، فالمسيح على قولهم: اسم جامع للاهوت والناسوت معًا، ولولا حضور اللاهوت بالناسوت لما كان المسيح إلهًا، بل ولما كان المسيح مسيحًا.

وكأن محرفي النصرانية لم يكتفوا بالتجسد والتثليث اللذين حرّفوا بهما دين المسيح وأبطلوا بهما نظام التوحيد وأساسه؛ فأضافوا لذلك عبادة الصور والتماثيل.

فإذا كان النصارى يصرحون بعبادة ثلاثة أقانيم "أشخاص"، فإنهم عمليًا يعبدون ما لا يُحصى من الأقانيم، وليس في دين النصارى ما يمنع من عبادة أقانيم بلا حدود؛ فالقواعد التي تبرر التجسد والتثليث هي بعينها التي تبرر تأليه تلك الصور والتماثيل وعبادتها، وما من مانع عقلي أو سمعي يمنع من تأليه تلك الصور والتماثيل وعبادتها وحضور اللاهوت بها إلا وهو نفسه يمنع من تأليه المسيح وعبادته، وحضور اللاهوت بناسوته.

وما مِن عذر يتعلل به النصارى في عبادتهم للمسيح -عليه السلام- أو لصورته وتمثاله إلا وهو نفسه مما يتعلل به عباد الأوثان، ويبررون به كفرهم وشركهم، ولا نعلم أحدًا من أهل الأوثان يزعم أن نفس الوثن الذي نحته أو صوَّره بيده هو ذاته الخالق الأزلي الإله الحق؛ وإنما يقولون إن ذلك الوثني قد حلَّ فيه الإله بشكل أو بآخر.

ولذلك لمَّا ظهر في القرن الثامن الميلادي بعضُ النصارى المثلثين يمنعون اتخاذ الصور في الكنائس والبيوت ويعتبرون ذلك نوعًا من الوثنية ومخالفـًا للكتاب المقدس؛ كان ذلك غريبًا ومستهجنـًا بالنسبة للعقلية النصرانية التي تشربت التجسد والتعددية الإلهية فكيف تستنكر عبادة تلك الصور؟! وما الذي يمنع من حضور الرب في كل تلك الصور بشكل أو بآخر؟! أو ليس الذي جعل الثلاثة واحدًا يجعل المائة وأضعافها واحدًا؟!

وبعد عقود من النقاش والصراع أقر المجمع المسكوني السابع المنعقد بنيقية عام 787م مشروعية اتخاذ الصور واستعمالها في البيوت والكنائس، ولما كانت الكنائس الشرقية الأرثوذكسية وقتها في خلاف دائم مع الكنائس الغربية الكاثوليكية؛ فقد تصيد الأرثوذكس للكاثوليك استعمالهم للتماثيل تحت دعوى أن المجمع السابع لم ينص إلا على الأيقونات "الصور"، واتهموهم بالوثنية والهرطقة! وكأن هناك فارقـًا جوهريًّا بين الصور التي يتخذها الأرثوذكس الشرقيون والتماثيل التي يتخذها الكاثوليك الغربيون!

أو ليس كلاهما تجسيمًا وتشبيهًا للرب -تعالى-، وما مِن تبرير يتعلق به الشرقيون أصحاب الصور إلا كان للغربيين أصحاب التماثيل أن يتعلقوا به ويستندوا عليه(1).

وكذلك قام البروتستانت في القرن السادس عشر الميلادي بالاعتراض على الطقوس التي تقام أمام كلاً من الصور والتماثيل، ولكنهم أقروا مبدأ اتخاذها وتقديسها كرمز ديني وموروث ثقافي لا يمكن التفريط فيه؛ فاعتراضهم الأساس إنما هو على العبادات الصريحة التي يقدمها الكاثوليك والأرثوذكس للصور والتماثيل.

وعلى ذلك فقد اتفقت كلمة هؤلاء -رغم كثرة خلافهم- على تقديس الصور والتماثيل، واعتبارها عَلمًا على عقيدتهم، ورمزًا دينيًّا يرمز للمسيح -عليه السلام- خصوصًا ولملتهم عمومًا.

أما الحقيقة الثانية التي نريد إبرازها هنا فهي اعتقاد النصارى بحلول اللاهوت بتلك الصور والتماثيل؛ فإن قاعدة التجسد التي اقتبسوها من الوثنيين لا تمانع من اتحاد اللاهوت بغير المسيح؛ لا سيما وجمهورهم يقدمون لها العبادة الصريحة من دعاء وصلاة وترتيل وتقبيل وركوع وسجود، ونحو ذلك من الطقوس(2).

ولكن لنترك الاستدلال بلازم أقوالهم وأفعالهم ولنرى شيئًا مما صرح به علماؤهم وأسلافهم:

يقول د/ ديمتريوس تسيللنغيذيس تحت عنوان: "حضور الأصل بالصورة بالنعمة حسب تعليم الكنيسة": "إن حضور الأصل بالصورة حقيقة كنسية سُجلت في الكتابات الآبائية في زمن الصراع حول الأيقونات"(3).

ويقول في ثنايا كلامه: "إننا إذا درسنا نصوص الآباء المدافعين عن الأيقونة في القرن الثامن والتاسع مع سجلات المجمع المسكوني السابع نلاحظ أن عقيدة الكنيسة في الأيقونات مرتبطة بالتفريق الوجودي بين الجوهر الإلهي وبين النعمة والقوة الإلهية" اهـ باختصار.

ومعنى كلامه: أن حلول اللاهوت بالأيقونات إنما هو حلول للصفات الإلهية "النعمة والقوة"، وليس هو حلولاً للذات الإلهية "الجوهر الإلهي".

ورغم أن العقل الصريح يمنع من حلول الصفة دون الموصوف، وأنه لا يعقل إلا حلول الذوات؛ ولكن المقصود هنا بيان المبدإ الذي انبثق منه إقرار اتخاذ الأيقونات ألا وهو مبدأ الحضور الإلهي بالأيقونة.

ولا ينفعهم بعد ذلك دعواهم أن التفريق بين حلول ذات الرب وحلول صفته؛ فإن ذلك مع امتناعه عقلاً فهو أيضًا نوع من الحلول اللاهوتي على أي وضع كان وعلى أي اسم سموه.

ولا يخفى أن هذا المبدأ لا يقل وثنية عن عبادة الصور والتماثيل؛ بل هما في الحقيقة متلازمان ولو لم يصرحوا بذلك؛ فكيف وقد صرحوا؟!

يقول د/ ديمتريوس: "وبذلك ندرك مفهوم الأيقونة كحامل للألوهية، أي: حامل لنعمة الله وقوته غير المخلوقتين" اهـ.

ويعني بالنعمة والقوة الإلهية غير المخلوقة أي: صفاته -عز وجل-؛ فإن الصفات تابعة للموصوف، فصفات المخلوق مخلوقة، بينما صفات الله -تعالى- غير مخلوقة؛ فإنه -تعالى- الخالق الأزلي، ولكن دعوى حلول الصفة دون الذات ممتنعة عقلاً كما ذكرنا قبل ذلك.

ويؤكد الأنبا رافائيل(4) ذلك بمقالة "الأساس اللاهوتي للأيقونة" تحت عنوان: "ماذا يحدث في طقس تدشين الأيقونات": "التدشين هو التكريس أي: التقديس والتخليص لله؛ فتصير الأيقونة بعد تدشينها أداة مقدسة لإعلان حضور الله بفعل الروح القدس.

وفي الصلاة التي يصليها الأسقف في طقس التدشين يقول: من أجل هذا نطلب منك يا محب البشر أن ترسل روحك القدوس على هذه الصورة.

إننا نؤمن إيمانـًا قاطعًا أن الروح القدس يحل على الأيقونات بالصلاة وبالدهن بالميرون؛ فيقدسها ويؤهلها للكرامة والتوقير" اهـ باختصار

لا يوجد بث مباشر الان
حكم الاحتفال بشم النسيم - الشيخ كشك رحمه اللهكيف نستعد من رجب و شعبان - لرمضان عقيدة الولاء والبراء باختصار-هام جدا - الحوينيمعنى الولاء والبراء..وإلى أين يتوجهان ؟ .. الشيخ الطريفيتعلم اركان الحج وزارة الحج السعوديةالاحتفال برأس السنة / الكريسماس - مجموعة علماء
ملفات خاصة وقضايا معاصرة